لم يكن يدور في أذهان المخططين الاستراتيجيين والمشتغلين بالدراسات المستقبلية، أن الرياح التي عصفت بابن علي تنطلق بسرعة إلى مصر، وتهب بقوة العواصف في أرجاء ميدان التحرير الذي صدرها وبنفس السرعة إلى اليمن السعيد، حيث كان صراع الهوتين مع السلطة قد بلغ ذروته.. ولم يمض وقت طويل حتى تململ الشارع المغربي رافعا راية الإصلاح، في وقت تطايرت فيه طلقات الأعيرة النارية في شوارع طرابلس وبنغازي في ليبيا المجاورة.. أرتال من البشر خرجوا مدفوعين بروح القطيع، رجالا ونساء وشيوخاً وأطفالا، يقودهم العقل الجمعي، لينفسوا عن معاناتهم..

بدا واضحا لنا ونحن نتابع مجريات الأحداث، وكأن الذي يجري أمامنا فيلم تسجيلي تم تصويره في استوديوهات ديزني لاند، فإذا بنا حيال توترات وقائع وأحداث حقيقية، تعذر على مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجيه العالمية رصدها، أو حتى التكهن بالمصير الذي ستنتهي إليه.

ونحن أمام هذه السيناريوهات.. فإذا بشباب سوريا يدخل الملعب من الحديقة الخلفية.. والعاصمة دمشق غارقة في سبات عميق، ولم تستيقظ إلا بعد أسبوع.. وظن من ظن أن السياج الأيديولوجي مصمم لصد الرياح.. وأن أبواب ونوافذ المواقع القيادية محكمة الإقفال منذ عقود خلت، وهي تقاوم حتى الرصاص..

إن عاصفة الربيع تهب لتؤذن بخلخلة معاقل كل نظام شمولي نخر سوس الفساد والتسلط والقمع في دهاليزه، فضلا عن تفاقم مشكلات البطالة وكبت الحريات وتكميم الأفواه لعقود.. لقد ظل الليبيون وغيرهم مجبولين على تعاطي شعارات وهمية، ظلت تروج لها أجهزة إعلام مضلل.. ولم يدر في أذهان جنرالات الشعارات والدعايات أن انتشار الانترنت والفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي، ستفتح النوافذ المغلقة.. بل وتتيح فرصا لتبادل الآراء والأفكار، بعيدا عن أجهزة الأمن والرقابة الجاثمة على الصدور..

ويرى علماء الاجتماع السياسي وعلم الأخلاق، أن الكبت إذا طال مداه يتحول إلى احتقان مكبوت ومحبوس في الذاكرة الجمعية، ويبقى في انتظار العوامل التي تؤدي لانفجاره، تماما كالبركان عندما يثور.. لقد حانت اللحظة التاريخية، بعد أن فشل نظام الإمبراطور القذافي وكل النظم الشمولية في المنطقة، في إنزال الشعارات المرفوعة إلى أرض الواقع.

تمر المنطقة بمرحلة مفصلية، بعد هبوب عواصف التغيير التي قلبت كافة موازين السياسة الدولية رأسا على عقب.. لقد تأكد أن كل الشعوب لديها استحقاقات، لا يمكن تجاهلها أو تناسيها بالتعتيم والاستعلاء والمكابرة وسياسة دفن الرؤوس في الرمال.. والمتتبع لمجريات الأحداث التي نشاهدها يوميا، يصاب بالغثيان والاكتئاب والإحباط الشديد.. فها هي أنظمة تعودت البطش وأدمنت الجلوس على الكراسي إلى ما لا نهاية، تبطش وتمارس القتل وتريق الدم العربي.. وتنهب الموارد وتسوق المبررات والأكاذيب بأن ما يحدث وراءه أيدٍ أجنبية ومليشيات عسكريه مسلحة!!

إن الذي يجري أمامنا لا ينبغي السكوت عليه بأي حال من الأحوال.. ويبقى السؤال المطروح؛ أين الموقف العربي؟ وأين التضامن العربي؟!

هنا لك صمت وغفلة ومكابرة، واكتفاء بالتفرج على ما يجري.. والمؤسف أن دولا أخرى سارعت لسد فجوة الغياب العربي، تدفعها أحلام إمبراطورية قديمة.. أو تسعى لتنفيذ مخططاتها الخاصة.. وبين هذا وذاك يضطر آلاف المواطنين للهرب، ويتحولون إلى مشردين ولاجئين وسكان مخيمات!! يتلقون الطعام والشراب من وكالات ومنظمات اجنبية مختلفة، وفي بيئة لا تتوفر فيها مقومات الحياة الكريمة.. فضلا عن آلاف المعتقلين ومئات الشهداء من شبان وشابات ومسنين وعجزة وأطفال.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: أين الموقف العربي من كل الذي يحدث؟ أين الجامعة العربية وأين القمة العربية الطارئة لبحث الوضع المتأزم؟

كلها أسئلة مشروعة، لكنها في انتظار إجابات قبل فوات الأوان.

لقد حددت دولة الإمارات مواقف ثابتة عبر مبادرات لحل الصراع اليمني الدائر، كما وقفت بصلابة مع الشعب الليبي في معاركه لإسقاط الإمبراطور القذافي المهووس بالسلطة.. بما في ذلك الاعتراف بالمجلس الانتقالي الذي ما زال في أمس الحاجة إلى الدعم لإسقاط نظام أدخل ليبيا كلها في نفق مظلم.. ولن يمضي وقت طويل حتى يستجيب القدر لكل شعب عانى مثلما عانى الشعب الليبي، وأراد الحياة.. ولا بد لليل أن ينجلي لمن أراد الحياة.. ولا بد للقيد أن ينكسر.