بمجرد قراءة العنوان يتبادر إلى الذهن الدور الذي يقوم به الإعلام الرسمي العربي في التعامل مع الأوضاع الماثلة، وتحديداً الإعلام المرئي والمسموع (التلفزيون والإذاعة). وتتفاوت الآراء والمقاربات في تقييم هذا الدور، ويرى البعض أن آليات الماضي القريب في العمل الإعلامي، كفيلة بتحقيق الهدف المنشود من رسالة الأجهزة الإعلامية، فيما يرى البعض الآخر العكس تماماً.. ولكل اجتهاده ونصيبه في الاقتراب أو الابتعاد عن الحقيقة.
الإعلام بوجه عام، والإعلام العربي ضمناً، يواجه عاصفة من المتغيرات الموضوعية ذات الطابع التاريخي، وهذه المتغيرات حتى وإن بدت غرائبية ومفارقة لمألوف العادة، إلا أنها تتموْضع حصراً في ما يمكن أن يسمى العلاقة بين المصادفة والضرورة.. أو العلاقة بين الآني المداهم والتاريخي المستقر نسبياً.
فالاستقرار مفهوم نسبي، فيما المتغير العاصف الذي قد يكون صادماً حد الإخلال بالتوازنات القديمة، هو الثابت دوماً. وقديماً بحث علماء الفلسفة في مقولة التناقض، ووجدوا أن التناقض مُطلق والثبات نسبي، وأن المُتغير دالة التناقض، وأن تدرجات التناقض في شموله تتّسع لظواهر الكون والطبيعة والمجتمع، المبثوثة في نواميس الخلق والمخلوقات. لكن المُتغير المجتمعي قد يكون صاعقاً متسارعاً ومُدمراً، وقد يكون متدرجاً رشيقاً.
أستذكر بهذه المناسبة، ذلك السؤال الكبير الذي انبرى كالتنين أمام الذاكرة الجمعية للاشتراكية الدولية، عندما أذنت بريسترويكا غورباتشوف بتغيير قد يكون عاصفاً متسارعاً، وقد يميل للتدرج الهادئ. ورأينا كيف أن «الانهيار الحُر» للاتحاد السوفييتي الكبير، بالترافق مع انهيارات دراماتيكية في منظومة الحلفاء في شرق أوروبا، بدا مُغالباً لتوقعات كافة المراقبين والاستراتيجيين..
كما رأينا كيف أن ذلك التحول بمفهوم «الصدمة»، أفضى إلى إضعاف جوهري لروسيا وكويكبات الفلك السوفييتي السابق، في منطقة «أوراسيا» الممتدة على ملايين الكيلومترات المربعة، ما يعيدنا إلى الحدث التراجيدي الكبير في تلك المنطقة. وفي المقابل رأينا كيف أن الصين التي أمسكت بجمرة التحوُّل المدروس الهادئ، خرجت من ثقب إبرة الحرب الباردة وهي أشد قوة وفتوة ونماءً.
الفلسفة الصينية المؤسسة على الانطلاق من عتبة الفشل بوصفها عتبة نجاح، ومن الفراغ بوصفه امتلاءً، ومن العجز بوصفه مقدمة حاسمة للقوة.. هذه الفلسفة العتيدة في تاريخيتها، هي التي مهّدت في ستينات القرن المنصرم لما سمي حينها بسياسات «العصرنات الأربع»، التي كانت مثار سخرية الشرق السوفييتي والغرب الأميركي الأوروبي معاً، ولم يفهم سدنة الحرب الباردة أن الصين كانت تمهد لمقولة «دينغ سياو بنغ» اللاحقة، والقائلة بلغة الصينيين البسيطة: «ليس مهماً ما لون الهرة، بل المهم أن تجيد اصطياد الفئران».
تلك المقولة فتحت الباب واسعاً لتغيير هيكلي في البنية الاقتصادية، دون المساس بمركزية الحزب الشيوعي في قيادة الدولة والمجتمع، كما أنها في المقابل، حرّكت المياه الراكدة داخل الحزب الشيوعي، لتجعله أكثر تمثلاً واستيعاباً لتعددية الأنساق الثقافية والفكرية، بالإضافة إلى تعددية المصالح وتقاطعها المؤكد، بحثاً عن صدامات حميدة، بدلاً من الصدامات غير الحميدة التي تفقد الدولة والمجتمع توازنهما.
وقديماً وفي غمرة الثورة الصينية الكبرى، كتب «ماو تسي تونغ» رسالة لأعضاء حزبه، بعنوان «دع مائة زهرة تتفتح.. دع مائة مدرسة فكرية تتبارى»، ولم يكن هذا العنوان مقلقاً لتابوهات الفكر الماركسي المدرسي فقط، بل لكل الأُمميات الاشتراكية التي لم تستوعب تلك المقولة المبكرة للصينيين الصادرين عن ثقافة سياسية غير مألوفة، وبرغماتية عملية تقرأ الحال بحسب المآل.
التجربة الصينية تُلهم الرائين الناظرين لما وراء الآكام والهضاب، وما يجري في العالم العربي يتحمل بعدين مؤكدين:
الفشل؛ وذلك عطفاً على ما نراه في المنطقة العربية من إخفاقات هيكلية، وبدرجات متفاوتة، من حيث الشكل لا الجوهر.
مقدمات النجاح؛ وذلك عطفاً على الإقرار الضمني بأن الوجود الاجتماعي هو المقدمة لصناعة الوعي الاجتماعي الراكز، وذلك من خلال محاصرة السلبيات وتعظيم الإيجابيات، واعتبار أن «التنازل الشجاع الحر» ليس دليل ضعف، بل العكس.
النخب السياسية العربية بحاجة إلى تجديد واستبدال الجهاز المفاهيمي المقيم في مرابع «بني عبس وذبيان»، بجهاز آخر يرى في التنازل شجاعة، وفي التقدم إلى المستقبل ضرورة موضوعية، والقناعة بأن الآليات القائمة في المنطقة استنفدت جل أغراضها، وهي قابلة لاستبدال منهجي برؤى وآليات جديدة.
لم يعد بإمكان الحاكميات القائمة في العالم العربي، بثنائياتها الظاهرة «جمهوريات/ ملكيات»، تجاوز المطلب الجوهري الخاص باعتماد مرجعيات دستورية للحكم والحاكمية، فالحاصل أن الجمهوريات العربية التي قدمت نفسها قبل عقود بوصفها المغاير للبُنى السلطانية الأوتوقراطية، لم تتجاوز عتبة الحاكمية التاريخية بأكثر أشكالها قتامة ومخاتلة، والشاهد ما رأيناه في عديد البلدان الجمهورية التي كشفت عن وجه سافر في الحاكمية التاريخية المشوهة، والمُقاسة على مقاسات الأنظمة غير الرائية لشرط الحاضر، ناهيك عن المستقبل.
تنبري هذه المشكلة لتمثل عصب القضية وجوهرها الثقيل، ومن دون رؤية تبلور حلاً توافقياً مقبولاً، لا يمكن الخروج من شرنقة التنافي العدمي السائد، ونحن نرى اليوم ما قامت به الملكية السلطانية المغربية من مبادرة تصب في مجرى تلمس الطريق لبنية سلطانية تاريخية، لا تغادر الحاضر والمستقبل بصورة نهائية، ولنا في ماليزيا وتركيا الإسلاميتين العلمانيتين أسوة ومثال.