عندما ضرب التسونامي شمال شرق طوكيو مؤخرا، أردت أن أعبر عن الأفكار التي تجول في الخاطر بشأنها، ولكنني أرجأت ذلك قليلا بسبب تجربتي مع التسونامي الذي ضرب آتشى في شمال إندونيسيا، حيث سمحت لي الظروف بأن أزورها مباشرة بعد الحادث.
والسبب في التريث أن تجربة التسونامي السابقة، بينت أن حقائق مذهلة لن تكون واضحة مع الأيام الأولى للتسونامي، خاصة من حيث حجم الدمار والضحايا وكافة الخسائر المادية والبشرية. وذلك فعلا ما يتكشف الآن في التسونامي الأخير في اليابان، فقد تبين أنه على الرغم من كثرة الزلازل التي تصيب اليابان، إلا أن الزلزال الأخير سجل المستوى الأقوى والأكبر في تاريخ الكوارث في اليابان. فقد جرفت المباني والسفن والعربات بأمواج التسونامي التي امتدت إلى 400 كلم في اليابسة، حيث بلغ الزلزال 8,9 على مقياس ريختر، وهو الثاني من حيث القوة عالميا.
ففي الأيام الأولى كان الحديث عن وفيات نحو 400 شخص ومثلهم من المفقودين، وكشفت الحقائق لاحقا أن ضحايا التسونامي أكثر من 30,000 نسمة.
إن من أبرز مخاطر التسونامي الذي ضرب اليابان مؤخرا، ما تعرض له مفاعل فوكوشيما النووي، حيث إنه بفعل الزلزال ازداد الضغط على المرجل المائي للمفاعل، فارتفعت حرارته إلى مستويات غير مسبوقة، وفشلت السلطات في تبريده، مما أدى إلى انفجار المفاعل وتسرب الإشعاع منه، فهدد بكارثة صحية لم تستطع اليابان ولا المساعدات التي حصلت عليها من دول عظمى مثل الولايات المتحدة، الحد من هذه الكارثة. وأعلنت وكالة الطاقة التابعة للأمم المتحدة، أن المفاعلات النووية الاربعة في فوكوشيما قد أغلقت من جراء ذلك.
ولم تقتصر كارثة التسونامي في اليابان الذي تسبب به الزلزال على عمق 24 كلم في المحيط الهادئ، على مخاطر على هذا البلد فقط، بل امتدت المخاطر إلى كافة الدول المطلة على المحيط الهادئ في الجانب الآسيوي والأميركيتين. وفي اليابان نفسها لم يكن الخطر على المناطق الساحلية الشمالية الشرقية، وإنما امتد للعاصمة طوكيو وتعطلت حركة القطارات وبعض المطارات.
لكن يظل الخطرالأكبر لتسونامي اليابان الأخير، هو ما أحدثه من أضرار لمفاعل فوكوشيما النووي والتسربات الاشعاعية التي نجمت عن ذلك. ولقد بلغت القراءات لحجم الإشعاع النووي، أنه قد تضاعف أكثر من ثلاثة آلاف مرة عن المعدلات الطبيعية للتسرب الإشعاعي، ما هدد البحار المحيطة بالمنطقة واليابسة بهذا التسرب، ملحقا الضرر بالثروة السمكية والبشر، حيث ثبت وجود مواد مشعة في مياه البحر وعلى اليابسة. وأكدت وكالة السلامة النووية اليابانية أنه لم يكن بالمقدور احتواء تسربات إشعاع المفاعل، ولذلك تم إخلاء أكثر من ربع مليون نسمة من المنطقة المحيطة بمفاعل فوكوشيما وإيوائهم في مناطق أخرى.
لقد قدرت الحكومة اليابانية الأضرار الاقتصادية للزلزال والتسونامي الأخير، بين المئتين والثلاثمئة مليار دولار، وبذلك تصبح أكثر الكوارث الطبيعية كلفة اقتصادية عالميا، بسبب ما تدمر من مساكن وطرقات ومصانع وبنى تحتية. وكان من أهم الآثار الجانبية الهلع من تأثير انفجار مفاعل فوكوشيما على الأسواق المالية والمزاج التجاري، على مستوى اليابان وعالميا، فقد هبط مقياس نيكي في طوكيو لأقل من 20% بفعل أصداء كارثة فوكوشيما النووية. ومن المتوقع أن هذه الخسائر المالية والبشرية قابلة للارتفاع. ولذلك علينا أن نقدر الأمر، إذا أدركنا أن مفاعل فوكوشيما هو واحد من ستة مفاعلات مماثلة تعمل في اليابان، فماذا لو تعرضت المفاعلات الأخرى لنفس ما تعرض له مفاعل فوكوشيما؟ كيف سيكون عليه الحال؟!
وتتحدث الأنباء عن تسرب الإشعاعات النووية وانتشارها في المواد الغذائية، وخاصة الغذاء السمكي، بما يهدد صحة من يتناول هذا الغذاء. وأكدت وكالة الطاقة اليابانية أن عمال الإغاثة في موقع مفاعل فوكوشيما، يتعرضون لمخاطر صحية كبيرة من جراء استنشاق الغبار بفعل الانفجار، والذي يحتوي على مواد مشعة.
إن مثل هذه الكوارث للمفاعلات النووية تحدث أزمات إنسانية، وكان البنك الدولي قد أعلن أن اليابان ستحتاج لعقود من الزمن لمعالجة الآثار الملحة لهذه الكارثة النووية.
ومن الآثار الاقتصادية للزلزال والتسونامي اللذين ضربا اليابان، وما تسببا فيه من دمار بما فيه كارثة مفاعل فوكوشيما، تشير الإحصائيات إلى تدني المنتجات اليابانية من سيارات وإليكترونيات وغيرها.
إن حجم الكارثة في اليابان، استدعى أن تكون أحد الموضوعات الرئيسية لقمة مجموعة الثمانية التي انعقدت مؤخرا فيt فرنسا. فهل تستطيع الجهود العالمية أن ترتقي إلى مستوى الحدث، بمعالجاتها لتلك الآثار الكارثية، باعتبارها تهدد البشرية جمعاء؟ وكيف يمكن أن نتعظ منها في مياهنا الإقليمية المحيطة بالوطن العربي، بما فيها الخليج العربي؟
