اليسار الفلسطيني وتراجع دوره

ت + ت - الحجم الطبيعي

أظهرت المصالحة الفلسطينية الأخيرة التي تمت في القاهرة، هشاشة موقع الأحزاب والقوى السياسية الواقعة تحت مسمى "اليسار الفلسطيني"، التي ذهب قادتها للتوقيع (أو البصم) على المصالحة، بعد إنجاز خطوطها العريضة بين فتح وحماس.

 

فما الذي حصل في مسار هذا اليسار حتى وصل إلى الحدود الراهنة من حضوره في المعادلة الفلسطينية، وحتى في الشارع الفلسطيني الذي يضم الألوف المؤلفة من اليساريين الذين باتت غالبيتهم الساحقة خارج أي إطار تنظيمي أو حتى مؤسسة محسوبة على اليسار؟!

 

لقد شكل تراجع دور وحضور اليسار الفلسطيني، أبرز السمات العامة التي باتت تطبع الحياة السياسية الفلسطينية وتفاعلاتها اليومية الحية، منذ أكثر من عقدين من الزمن، حتى أمسى من المسلم به أن اليسار الفلسطيني يعيش اليوم على هامش الخارطة السياسية الفلسطينية .

 

حيث بات كل فصيل من فصائله يحصر اهتماماته في حدود دنيا، في محاولة لإيجاد موطئ قدم في ظل حالة الاستقطاب الثنائي. مع الاستثناء النسبي لحالة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي بقيت آخر معاقل اليسار الفلسطيني، فتمكنت إلى الآن من أن تحافظ على حضور ما وبحدود معينة، لأسباب متعددة، منها ما له علاقة بإرثها واستنادها لمخزون كبير من الجهد الممتد منذ بواكير النكبة، عندما تأسست حركة القوميين العرب في أروقة الجامعة الأميركية في بيروت، على أيدي ثلة من المناضلين والمثقفين العرب، حيث ولدت الجبهة الشعبية بعد حين من رحم تلك الحركة .

 

إضافة للطهارة الوطنية والمناقبية العالية التي ميزت بعض قادتها التاريخيين، وهي ميزة ما زالت تغذي الجبهة الشعبية بالحضور والاحترام وسط الناس في فلسطين والشتات، حيث بصمات الراحل الدكتور جورج حبش والآخرين من قادتها التاريخين الذين رحلوا..

 

فضلاً عن أمينها العام الحالي أحمد سعدات عبد الرسول، الموجود في معتقلات الاحتلال وفي العزل الانفرادي منذ فبراير 2008، حيث يتعرض فعلياً لعملية تصفية جسدية تقودها أجهزة الاحتلال.

 

لكن هذا الصفاء والطهرانية في شخصية الدكتور جورج حبش وقادة الجبهة الشعبية، لم يسعفهم في نهاية المطاف لإيصال اليسار الفلسطيني وفكرته إلى حيث كان يجب أن تصل، في ساحة تعج بموزاييك الألوان الفكرية فلسطينياً وعربياً .

 

وذلك بعد سلسلة من المآزق والانتكاسات التي مني بها التيار اليساري في الساحة الفلسطينية، منذ تواتر عمليات الانشقاقات التي طالت الجبهة الشعبية قبل غيرها، وتوالت لتمتد إلى باقي قوى التيار القومي واليساري، طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

 

كما شكل غياب اليسار الفلسطيني الفعلي والعملي عن التأثير في مسار الأحداث، عاملاً إضافياً ساعد على تكريس المعادلة ثنائية القطبية في الساحة الفلسطينية، بين القطب الأول المسمى بالجناح التقليدي للحركة الوطنية الفلسطينية ممثلاً بحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وبين القطب الآخر المتمثل بحركة المقاومة الإسلامية في فلسطين (حماس) التي شقت طريقها بصعود صاروخي هائل، بعد سلسلة من التداعيات التي أصابت الجسم الرئيسي للحركة الوطنية الفلسطينية وفصائلها المؤتلفة في إطار منظمة التحرير منذ العام 1983، .

 

والدمار الداخلي الذي حصل في الساحة الفلسطينية بالانشقاق الذي وقع في حركة فتح، مضافاً إليها التحولات العميقة التي بدأت تفرض نفسها على وقائع الحياة السياسية والتنظيمية الفصائلية الفلسطينية، منذ النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، وهي التحولات التي توجت بانطلاقة حركة حماس، ومن قبلها بقليل حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

 

ومن نافل القول ان تراجع وانكماش حضور وفعالية فصائل وقوى اليسار الفلسطيني لم يأت هكذا من فراغ، ولم يكن صاعقة في سماء صافية، بل جاء بعد سلسلة من الانتكاسات التي حلت به سياسياً وتنظيمياً، خصوصاً مع تمزقه لعدد كبير من الفصائل التي شكلت عبئاً على الحالة الفلسطينية بشكل عام .

 

كما شكلت بتمزقها وتعدد فصائلها، حالة استخدامية استفاد منها الجناح التقليدي للحركة الوطنية الفلسطينية، وتحديداً حركة فتح في سياقات اللعبة التنظيمية والسياسية في إطار منظمة التحرير (وكوتات منظمة التحرير).

 

ومما ساهم في تراجع اليسار الفلسطيني أيضاً، تفكك منظومة حلف وارسو، والاتحاد السوفييتي على وجه الخصوص، ففقدت الكثير من بريقها الايدولوجي، الذي ترافق مع تراجع أدائها للفعل الفدائي في المقاومة المسلحة، مما ساعد على تآكل حضورها ورصيدها.

 

وعند الحديث المتعمق في محاولات تشخيص أزمات اليسار الفلسطيني، نجد الأمور في صلبها بنيوية شاملة، تاريخية وراهنة، أصابت كل المستويات، الفكرية، والتنظيمية، والسياسية، بدءاً من أزمة النظرية والمنهج، إلى أزمة الممارسة والتطبيق التي حملت في داخلها أشكالاً من تعدد الرؤى وتباين الاجتهادات، وغياب الوعي بطبيعة التطور التاريخي الاقتصادي الاجتماعي، في المجتمع الفلسطيني والعربي المحيط به، علاوة على عجزه عن الانتشار المؤثر في أوساط الناس طوال الحقبة الماضية .

 

وبالتالي طغيان الرؤية القاصرة المشوشة، التي دفعت بدورها أحزاب اليسار الفلسطيني إلى مزيد من العزلة والاغتراب عن القطاعات الواسعة من الناس، فأمست أزمات اليسار الفلسطيني البنيوية الداخلية وسياساته الخارجية، قديمه تتكرر ولا تتطور.

 

أما في الجانب السياسي، فقد نشب منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، مسارات الخلافات السياسية بشكل عميق بين أطراف وقوى اليسار الفلسطيني ذاته، وهي خلافات تمحورت حول الإجابة الفلسطينية المطلوبة من أجل إرساء برنامج سياسي فلسطيني وإعلانه أمام العالم، في ظل مناخات من توالد موديلات جديدة (ديكورات) كانت تضرب أطنابها في الساحة الفلسطينية والعربية، وتعبر عن نفسها كنوع من "صرعات الأيديولوجية"، المستولدة في جانب منها من الفكر القومي، وفي جانب آخر من الفكر الماركسي اللينيني، تارة بألوان "ماوية" وتارة بألوان "كاستروية أو جيفارية" وهكذا...

 

كما اختزلت السياسة التحالفية لفصائل اليسار، في البيت الفلسطيني الواحد وداخل منظمة التحرير الفلسطينية، إلى فلسفة المحاصصة، واختزلت السياسة عند هذه الحدود الضيقة .

 

حيث تتوزع الحصص الكبيرة والصغيرة على تنظيمات صغيرة وكبيرة، ويأخذ كل طرف قسطاً يساوي حجمه في ما يعرف بـ"الكوتا"، وفق صفقات يستقر بها المطاف في التمثيل في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومؤسساتها الوطنية.

 

فكانت هذه المحاصصة إلغاء للسياسة اليساريه المعلنة والداعية لبناء المؤسسات الفلسطينية على أساس ائتلافي ديمقراطي، بعيداً عن منطق التبعية والاحتواء، في حين أن معنى السياسة هو تحقيق علاقة صحيحة بين الفكر والممارسة، في إطار المشروع الوطني التحرري.

 

وخلاصة القول، ان قوى وفصائل اليسار الفلسطيني أمام لحظات حاسمة، فإما أن تسارع لإنقاذ ما تبقى من حضورها من خلال إعادة النظر في برامجها وسياساتها وأدائها على الأرض، وإما أن الزمن سيتجاوزها.. بلا رجعة هذه المرة.

طباعة Email