تقف الكثير من القصص التي تتسرب من ثناياها رائحة الظلم للشباب المواطن، غصة في حلق كل من يعرف قيمة هذا الشباب في أولويات الوطن، وقيمة الوطن في أولويات كل فرد من أبنائه. فأن تتحدث عن البطالة، ولو بنسبها القليلة المتواضعة، في أوساط المواطنين.
فهذا مما يمكن أن تجد له تفسيراً تجادل فيه في أوساط النقاش المهتمة بالموضوع والشأن المحلي، لتقول إن الكثير من الفرص المتاحة للشباب لا تتناسب أحياناً مع مؤهلاتهم، أو أنها تتعارض مع وضع اجتماعي لا نزال نخضع لشيء من آثاره شئنا أم أبينا، أو ننظر إلى الشاب أحياناً بعين النقد.
ونقول إن بعض الشباب يترفعون عن بعض الأعمال، ولا يرضون إلا وظائف إدارية إشرافية من وراء المكاتب، في تكريس للخمول الاجتماعي لدى الشباب، الذي تغذيه الثقافة الاستهلاكية اللامسؤولة. أو أن الكثير من الأعمال يحتاج إلى تخصصات عالية وشهادات جامعية كبيرة، تمكن الشاب من شغل المنصب بجدارة.. وغيرها من التأويلات.
وتتعدد التفسيرات لتبقى المعضلة تراوح مكانها، إلا أن ما يصدم حقاً هو أن تسمع عن شكاوى جماعية لشباب مواطنين وشابات مواطنات، يتعرضون لمؤامرات تفنيش لأتفه المبررات والأسباب، ليتم إحلال وافدين من جنسية المدير المسؤول في كثير من الأحيان.
وهم على رأس عملهم لم يقصروا فيه أو يتوانوا! والغريب المؤلم أن بينهم الكثير من أصحاب الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه، وهم الذين أنفقت عليهم الدولة الكثير ليحملوا شهادات تشرف الوطن وأبناءه، ثم يجدون أنفسهم مثل من لم يرهق نفسه في السعي وراء جامعة أو الجلوس على أعتاب معهد.
مسألة لا تحتمل التبريرات ما دام هذا الشاب المواطن ليس فاشلاً طبعاً، بل كدّ واجتهد حتى نال الشهادة الجامعية ليعود لأرض الوطن فينتفع منه الوطن، وينتفع هو منه، لا ليكون ضحية تلاعب وحسابات الإداريين الأجانب في الوظيفة وأبناء جنسياتهم، في حين أننا لا ننكر عطاء الخبرات الأجنبية في المرحلة التأسيسية، والإسهامات التي قدموها في نهضة مجتمعنا، لكننا وفي الوقت ذاته، لا بد وأن نفسح الطريق للعنصر المواطن في إكمال مسيرة هذه النهضة.
في ظل الرعاية التي نشهدها من حكام الإمارات وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في إعداد القادة وتمكينهم على أرض الواقع.
والحقيقة أن وزارة العمل قد تنبهت لذلك، فصاغت القوانين الضامنة لعدم الدخول من هذه الثغرة، ودعت إلى ضرورة تقديم خطاب لوزارة العمل قبل إنهاء خدمات المواطن بنحو ثلاثين يوما، حتى تحقق فيه الوزارة وتعرف أسبابه للموافقة عليه، بشرط ألا يشغل هذه الوظيفة موظف مقيم خلفا للمواطن. إلا أن الأمر يسير في كثير من الأحيان بعيداً عن هذه الضوابط، لا سيما إذا علمنا المكر الذي تمارسه الشركات.
من خلال المماطلة في الجلسات أمام المحاكم حتى يقع المشتكي فريسة اليأس ويرضى بالأمر الواقع. لسنا متحيزين تحيزاً أعمى، إلا أنه يؤلمنا أن نسمع عن مواطنين بشهادات عليا يبحثون عن لقمة عيش كريمة، في بلد منّ الله عليه بالخير الذي ينعم فيه الجميع، ولا يمكن لأحد أن يقبل أن تكون ولو حالات فردية تشتكي من هذا الأمر..
فما الرسالة التي ننقلها إلى أبناء الوطن إذا علموا أن مستقبلهم في يد أمزجة الآخرين لا في شهاداتهم؟ وما الحصيلة المستقبلية المجتمعية التي نحلم بها، إذا أصبحنا وأمسينا وإذ بهم على أبواب الشركات يتلمسون الوظائف، في وطنهم وبين أهلهم؟ لذلك لا بد لنا أن نبحث عن ضمانات لعمل المواطن، لأنه الأَولى بـ"شعاب مكة" وهو الأدرى بها، والأحرص على مكتسباتها ومنجزاتها، وهو الذي سيبقى له الوطن وسيبقى للوطن، مهما غادره المغادرون ورحل عنه الراحلون، وهو كذلك من يعرف حقيقة الحياة الكريمة تحت جناحه، فلا يمكن أن يفرط فيها.
لا نريد أن تكون رؤيتنا عاطفية ضيقة في تناول مثل هذه المواضيع الخاصة، بل واجبنا أن نسعى جميعاً لرأب الصدع المؤسساتي القائم في بعض الشركات، وأن يرتقي وجود المواطن إلى حضور فاعل حقيقي، يقدر قيمة المواطن الباحث عن وظيفة شريفة، والراغب في تطوير ذاته ومهاراته.
ولا بد لنا أيضاً من أن نقول لإخوتنا من أبناء الوطن، أن لا تتعاملوا مع الوظيفة بعقلية المسجون، فلا عيب في العمل بين الوافدين والأجانب، ما دام الجميع يبحث عن رزقه، في احترام متبادل، وسعي حثيث لتطوير البلاد والحفاظ عليها، وليكن في يقين كل واحد منا أن قيمة الإنسان فيما يعطي للحياة، لا فيما تعطيه الحياة.