من المفترض أن يكون سامر الجمعية العامة للأمم المتحدة قد انفض، حيث شهدت أروقة المنظمة الدولية وقائع مداولات اجتماع حكومي رفيع المستوى يعد الأول من نوعه منذ عام 2001، والذي تواصل من الثامن إلى العاشر من يونيو 2011، حيث تم التداول فيه بشأن إمكانية رسم خارطة طريق تتحدد معها وبها اتجاهات جديدة، من المأمول أن تساعد على إيجاد علاج لأخطر مرض عرفته البشرية عبر تاريخها الطويل، وهو مرض نقص المناعة المكتسب، والذي لم يترك بلدا إلا تجول في أزقته وحاراته دون استئذان، وهو ضيف مفترس وغير مرحب به على الإطلاق.
وبهذه المناسبة ذكرت السيدة كرتتشاورز ميجيرو نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، وهي وزيرة خارجية تنزانيا السابقة، إن هذا المؤتمر يعد بجميع المقاييس فرصة لعرض النجاحات التي تحققت بعد رحلة الثلاثين عاما منذ ظهور هذا الداء الفتاك، مؤكدة أن تواتر الأخبار المتشائمة حول المرض لا يمكنه أن يحجب النجاحات التي تحققت.
المعروف أن بوادر أول إصابة بفيروس نقص المناعة المكتسب، ظهرت في 5 يونيو عام 1981، أي قبل ثلاثين عاما، كما تفيد التقارير المنشورة. ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن لقي حتفهم بهذا الداء القاتل نحو ثلاثين مليون شخص، وفق آخر إحصائية نشرتها الأمم المتحدة يوم الجمعة المنصرم، وأن هنالك 60 مليونا آخرين أصيبوا بالفيروس الذي بات يعرف بمتلازمة نقص المناعة المكتسب، وهكذا فاق ضحايا هذا الداء العضال عدد كل ضحايا الحربين العالميتين وكبرى الكوارث الطبيعية الأخرى.
أشارت ميجيرو إلى أن المرض عند ظهوره كان غامضا ومنتشرا، وأن التكاليف الباهظه للعلاج ما زالت تحرم 9 ملايين مصاب في الدول الفقيرة من فرص علاج مستحق، لأن هنالك حاجة لنحو 23 مليار دولار أميركي لمحاربة "الايدز"، وأضافت أن الجهود المبذولة من المانحين وفرت 16 مليارا فقط، وهو مبلغ لا يكفي لتحقيق الأهداف التي خطط لها، وهي أن يتراجع حجم الإصابة إلى صفر بحلول عام 2015، كما ورد في الأهداف الإنمائية للألفية (MDG).
فهنالك 6 ملايين شخص يخضعون للعلاج، ويشير أحدث تقرير صدر عن الأمم المتحدة متزامنا مع انعقاد هذا الاجتماع (الأمم المتحدة عقد مفترق الطرق)، إلى أن عدد المصابين بهذا الوباء في العام الماضي، فاق أكثر من 34 مليون نسمه!! مقارنة بـ3.3 ملايين في 2009، وأن 1.4 مليون يجاهدون الآن لإنقاذ حياتهم، من بينهم 420 ألف طفل يتعاطون أدوية مضادة للفيروسات القهرية، وكشف التقرير أن الهند وجنوب إفريقيا فيهما العدد الأكبر من الإصابات على مستوى العالم.
ومن جهة أخرى أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) الأسبوع الماضي، أن حوالي 6.6 ملايين طفل في العالم فقدوا أحد أبويهم أو الاثنين معاً بسبب "تسونامي" الايدز في عام 2010، وأن معظم هؤلاء الأطفال ينتمون لأسر فقيره في آسيا وإفريقيا. وفي ذلك أضاف انتوني ليك المدير العام لليونسيف، أن هؤلاء الأطفال يعيشون تحت وطأة ظروف اجتماعية ونفسية بالغة التعقيد، وصلت إلى حدود المأساة.
إن هذه التقارير تصيب المرء بالارتباك، ذلك أننا صرنا في القرن الحادي والعشرين نعيش تحت ظل عالم مثقل بالمآسي والآلام، فلم يعد يكفي وجود 120 بؤرة مشتعلة بالانقسامات والصراعات والحروب والكوارث الطبيعية، ليضيف لها فيروس نقص المناعة جديدا!! هذا يعني أن العالم المعاصر يعيش في حقل مملوء بالألغام القابلة للانفجار في أي وقت..
أكتب هذا ونحن في بدايات موسم الإجازات والسفر إلى أراضي الله الواسعة، وكان حرياً بالجهات المسؤولة عن الصحة أن تكثف حملاتها الإرشادية للأعداد الكبيرة من شبابنا المواطنين الذين يجوبون شعاب الأرض طوال فصل الصيف، وذلك لتبصيرهم وتزويدهم بالإرشادات الوقائية الضرورية التي تضمن حمايتهم ومن ثم وقايتهم من الأمراض، لأن في حمايتهم حماية للمجتمع ليبقى سليما ومعافى، في ظل النهضة والتطور والتنمية البشرية التي ينشدها مجتمعنا.
إن تحقيق أهداف التنمية يتوقف أساساً على عاملين رئيسيين، هما جودة التعليم واستدامة الصحة العامة (صحة المجتمع)، وسبيلنا إلى ذلك هو الوقاية أولاً، وثانياً خدمات اجتماعية لتمكين قيام "مجتمع الكفاية والعدل".