كان الله في عون نبيل العربي وهو يمضي إلى موقعه الجديد أميناً عاماً للجامعة العربية في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها الجامعة وهي تواجه عاصفة التغيير والثورة التي وضعت العالم العربي فوق سطح ساخن، ما بين ثورات أسقطت أنظمة ومازالت تبحث عن طريق العبور إلى المستقبل كما في مصر وتونس، وثورات مازالت تقاتل أنظمة تتشبت بالسلطة كما في اليمن وسوريا، ودول يتم تدميرها بعناد سلطة إجرامية فتحت الباب للتدخل الأجنبي كما في ليبيا، ودول تحاول اتقاء العاصفة بالإصلاح الحقيقي، ودول أخرى بادعاء الإصلاح.

 كان الله في عون نبيل العربي وهو يغادر موقعه كوزير للخارجية المصرية وسط أسف الرأي العام المصري الذي كان يرجو أن يستمر الرجل في موقعه على رأس الدبلوماسية المصرية بعد أن اثبت خلال الشهور القليلة التي أمضاها وزيرا للخارجية جدارته بهذا الموقع، ونجاحه الكبير في التعبير عن مصر ما بعد الثورة، واستعادته لجزء كبير من الفعالية والمصداقية والمكانة الدولية والعربية والإقليمية التي كانت قد تراجعت كثيرا في ظل النظام السابق.

والرجل نفسه ظل حتى اللحظات الأخيرة مصمماً على الاعتذار عن الترشح لأمانة الجامعة، فقد كان يريد أن يستكمل ما بدأه من خطوات لتصحيح المسارات المختلفة للسياسة الخارجية المصرية، وكان يريد أن ينتهي من مشروع يعده لإعادة هيكلة الوزارة لمواجهة تحديات كثيرة عليها ان تواجهها، وكان أيضاً لا يرى أن هذه هي المرحلة المناسبة التي يمكن لوجوده في الجامعة ان يحقق الآمال المطلوبة.

وعندما لم يتم التوافق بين الدول الأعضاء على مرشح، ومع ازدياد الضغوط عليه، قبل العربي المنصب في النهاية مشترطاً إجماع الأعضاء ودون تحفظ أي دولة من الدول الأعضاء، وقد كان، فسحبت قطر مرشحها، وغيرت مصر للمرة الثالثة مرشحها الذي كان قبل الثورة مفيد شهاب، وبعد ذلك مصطفى الفقي، ليتم اختيار العربي وسط حماس وتقدير غير مسبوقين.

لكن الحماس وحده لا يكفي، والتقدير الشخصي ليس هو المعيار الذي تبنى عليه السياسات. وصحيح أن الجامعة قد كسبت في قيادة أمانتها العامة شخصية لها كل الاحترام ولها مكانتها الدولية وخبرتها الكبيرة التي تحتاجها الجامعة لتجتاز هذه الفترة الدقيقة التي يمر بها الوطن العربي، ولكن الجدية التي يتمتع بها العربي ودقته في حساب خطواته تجعلنا نأمل بان يكون قبوله للمنصب العربي الكبير قد ارتبط أيضا بضمانات من الدول العربية الفاعلة بدعم جهود لابد ان تبذل لتطوير العمل العربي المشترك، فبدون هذه الضمانات لن يكون لوجود العربي في الجامعة معنى ولا هدف.

إن حالة الجامعة العربية وهى تواجه عاصفة التغيير في العالم العربي بكل هذا الاضطراب حيناً والعجز حيناً والصمت في معظم الأحوال..يترجمها الأمين العام المساعد أحمد بن حلي فيما نقله عنه أخيراً ناشطون سوريون حاوروه عن الأوضاع الراهنة فكان رده : إن الجامعة العربية موجودة لتسيير مصالح الحكومات العربية وليس لتلبية مطالب الشعب العربي.

ولك أن تقبل ذلك أو ترفضه، ولكنها الحقيقة التي لا ينبغي الهروب منها. فالجامعة هي جامعة دول، والدول تمثلها الحكومات والقضية هنا:هل تمثل الحكومات شعوبها أم لا ؟ لو كانت تمثل شعوبها فليست هناك مشكلة، وستكون القرارات كلها لمصلحة هذه الشعوب وحدها لأنها القادرة على محاسبة الحكومات على موقفها، وهنا ستكون جامعة «الدول» هي جامعة «الشعوب» وجامعة «الحكومات» في وقت واحد. وبدون ذلك سوف نجد هذا التناقض بين موقف تعبر فيه الجامعة عن مواقف حكومات الدول الأعضاء، وبين مواقف تتفق مع مطالب شعوبها !!

عندما تولى عمرو موسى أمانة الجامعة قبل عشر سنوات، كان العالم العربي على موعد مع موجة من دعوات الإصلاح والتغيير، وحاول من جانبه ألا تكون الجامعة بعيدة عن ذلك، وتقدم بمقترحات عديدة لتطوير العمل بالجامعة، كانت محل ترحيب باعتبارها خطوات على الطريق. ويومها نبهنا إلى أن أي إصلاح حقيقي في العمل العربي المشترك مرهون بالإصلاح الداخلي في الدول العربية. وأن الجامعة العربية لن تكون في مستوى طموح الشعوب العربية ما لم تكن تجمعاً لدول لا يحكمها الاستبداد بل تحكم بالعدل والحرية، وتكون حكوماتها هي الممثل الطبيعي والشرعي لشعوبها.

كان الأمل يومها كبيراً ان تمضي الدول العربية على طريق الإصلاح الديمقراطي بعيداً عن الضغوط الخارجية وبما يحقق مصالح شعوبها لا مصالح الآخرين. لكن المسيرة تعثرت في معظم الدول العربية، والبعض هرب من استحقاقات الديمقراطية، والبعض ظل يناور حتى داهمته العاصفة التي اجتاحت العديد من العواصم العربية، وسقط من سقط، ورحل من رحل، ومازال البعض يقاوم من زنقة إلى زنقة، ومن ميدان إلى آخر.

لو أن الأنظمة العربية طبقت وثيقة الإصلاح التي أعلنتها بنفسها لما كانت العاصفة العربية الحالية هي النتيجة الطبيعية للفشل في الاستجابة لطموحات الشعوب. ولو أننا لم نضع عشر سنوات في الهروب من استحقاقات لا يمكن الهروب منها لتجنبنا الكثير من الدماء والدمار التي تسود دولاً عربية تسعى شعوبها لانتزاع حقوقها المشروعة، ولكانت جامعة الدول هي جامعة حكومات وشعوب في وقت واحد.

أضعنا الكثير ودفعنا الثمن. ومع ربيع الثورة العربي يتجدد الأمل، وقبل شهور قليلة ما كان أحد يتصور أن يكون نبيل العربي وزيراً لخارجية مصر، ولا أن يكون بعد ذلك مرشح الإجماع لأمانة الجامعة العربية وقادماً بروح الثورة المصرية، بآمال كل العرب في جامعة تمثل الحكومات العربية فتكون في نفس الوقت ممثلة للشعوب العربية بكل طموحاته في وطن عربي واحد يسوده العدل والحرية، ويحقق النهضة التي يستحقها العرب، ويملكون بالتأكيد بكل مقوماتها.

كاتب صحفي مصري