يعتبر الرئيس الأميركي باراك أوباما، الرئيس الأكثر رجعية في التاريخ الحديث للولايات المتحدة. يبدو أنه عازم على إعادة عقارب الزمن إلى الوراء والأيام الخوالي من عقد الستينات والسبعينات من القرن الماضي، عندما كانت العقيدة السياسية المتشددة، وليس العقل المنفتح، هي التي ترشد الحكومة في يوم من الأيام. ولنأخذ مثالاً على ذلك، وهو الاقتصاد. فقد أثبت انهيار الشيوعية خلال الثمانينات في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق، أن سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج كانت ضامناً للفقر والوضع الأسوأ. الاتحاد الأوروبي الحالي الذي يعاني الإعسار والتفتيت، والاقتصادات الراكدة في الشرق الأوسط المتفجر، يذكراننا بأن اشتراكية الدولة لا جدوى منها. لماذا، إذن، يعود أوباما بطريقته العتيقة إلى تلك المفاهيم المتحجرة، مثل استيعاب نظام الرعاية الصحية في أميركا، تنشيط دور الحكومة الفيدرالية في الاقتصاد عبر الاستيلاء على شركات السيارات، واقتراض 5 تريليونات دولار للإنفاق على الاستحقاقات الجديدة، أو اقتراح حزمة من الضرائب الأعلى كثيراً، كل ذلك في جهد غير مجدٍ لضمان المساواة في النتيجة؟
توضح كل المؤشرات الرئيسية بشأن الاقتصاد الحالي، كالبطالة والعجوزات والإسكان والطاقة، أن طريقة أوباما الرجعية ذات النزعة المركزية في السيطرة على الأمور، لم يكن لها تأثير سوى تردي الأوضاع إلى الأسوأ. في حقبة ماضية لم يكن العمال يحصلون على تعويضات كاملة، ولا على التأمين ضد البطالة ولا أجور العمل الإضافي، وكانت النقابات الكبرى تدير أميركا. واليوم هناك أقل من 7% من الأميركيين ينتسبون إليها. إلا أن الرئيس أوباما يريد أن يعرقل شركة "بوينغ" ويمنعها من افتتاح مصنع لتجميع الطائرات في ولاية ساوث كارولينا، على أساس أنها ولاية مكفول فيها الحق في العمل، وأن عمال مصنع التجميع ربما تكون لهم الحرية في رفض التمثيل النقابي. تسمح الإدارة الآن للديمقراطيين المدعومين من النقابات في الكونغرس، بعرقلة اتفاقات التجارة الحرة مع كولومبيا وبنما وكوريا الجنوبية، من أجل الحد من المنافسة مع الصناعات المحلية المنظمة نقابياً.
يبدو أن الفكرة التي طرحت منذ عشرات السنين بأن التجارة الحرة المعولمة تشجع المنافسة، وتعزز الإنتاجية، وتخفض الأسعار للمستهلكين المقيدين وتساعد الدول النامية، لم تكن قائمة. لا يزال أوباما يتفاخر بالإعانات الفيدرالية الهائلة لصناعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية، في حين يجعل من المستحيل تقريبا الحصول على عقود جديدة للتنقيب عن الوقود الأحفوري. إلا أنه رغم إنفاق كل هذه المليارات من الدولارات، فإن النسبة المئوية للطاقة الجديدة التي تنتجها المشروعات الخضراء المدعومة ذات التكلفة العالية، لم تتغير كثيراً.
في الوقت نفسه، فإن النجاحات الثورية في التنقيب واستخلاص الغاز الطبيعي والنفط ورمال القار والزيت الحجري ورسوبيات الفحم، خلال عام واحد أو عامين، ساعدت على توسيع احتياطيات أميركا من الوقود الأحفوري، والقدرة على إنتاج الطاقة النظيفة منها. ويتضح أن الولايات المتحدة ربما تصبح المملكة العربية السعودية الجديدة في العالم، في ما يتعلق بالاحتياطيات المعروفة من جميع أشكال النفط والغاز والفحم. وفي الوقت الذي لا يزال الرئيس أوباما يعول على الألواح الشمسية وطواحين الهواء، فإن المؤسسات الخاصة التي تعتمد على نفسها تقوم باستكشاف سبل جديدة لتوفير الطاقة للمنازل والصناعات والسيارات التي تدار بالغاز الطبيعي الرخيص والوفير، أملا في تحرير أميركا من الاعتماد على دول أوبك.
وفي ما يتعلق بالهجرة غير الشرعية، يبدو الرئيس الأميركي كأنه من المخلفات المتكلسة من عقد الستينات من القرن الماضي، ذلك أنه يثير الوضع على الحدود الجنوبية من حيث الحقوق المدنية والتحيز العنصري. تفسر هاتان القضيتان الغامضتان، السبب وراء إشارة أوباما مؤخراً، إلى أن اللاتينيين "يعاقبون" أعداءهم المفترضين المحافظين، وادعى زوراً أنه تم الانتهاء من بناء السياج الحدودي، على الرغم من رغبة خصومه الجمهوريين في أن تتم على نحو مفترض، إضافة الخنادق المائية والتماسيح. يبدو كل هذا الكلام المنمق وكأنه جاء على لسان ناشط في الجامعة بملابس من عقد الستينات، وليس من البيت الأبيض في القرن الحادي والعشرين.
في العقود المقبلة، سوف تكون الولايات المتحدة بحاجة إلى مهاجرين شرعيين جدد، من جميع الأجناس ومن جميع الأماكن، الذين يمتلكون المهارة والتعليم العالي، أو الذين لديهم رأس المال. المعايير الجديدة الحاسمة للحفاظ على تنافسية أميركا سوف تكون ميزة للمهاجر، وليس فقط لكونه ينتسب لعرق ما أو روابط أسرية أو قربه من الحدود أو استخدامه كرهان في السياسة الحزبية.
إن الولايات المتحدة تعد الآن مجتمعاً متعدد الأعراق، ذلك المجتمع الذي لم يتم التزاوج بين أبنائه واستيعابهم على نحو أكبر. إلا أن هذه الإدارة لا تزال تتصرف وكأن جماعات عرقية معينة متحجرة في العنبر، وعليه تستحق بعض التدليل العنصري الخاص. يتحدث النائب العام بغرابة عن "شعبي"، وعرض الرئيس نفسه شريط فيديو خلال الحملة الانتخابية في عام 2010، استهدف في جانب منه هؤلاء المعروفين بانتمائهم العرقي، كجزء من استراتيجية أوسع للتعامل مع مسألة منع التصويت على أساس عنصري. ولا تزال تصاغ الوعود بشأن المزيد من الاستحقاقات المالية الفيدرالية، بشكل مستتر، على أساس عنصري، كما لو أنه لم يكن هناك وعي بأن مرور خمسة عقود على برامج "المجتمع العظيم"، قدم الكثير من أجل ضمان التبعية وتدمير الأسر التقليدية التي تعيش في قلب المدن.
تبين أن "الأمل والتغيير" ليس إلا دعوة ليبرالية للنظر في سبل جديدة لحل المشكلات، ولم يكن مجرد شعار محافظ هو الذي يحافظ على كل ما قام بدوره بشكل فعّال في الماضي. وبدلا من ذلك، فقد أثبت باراك أوباما أنه رجعي من الطراز القديم. فقد كان يأمل في تغيير الأمور لكي تعود إلى المسار الصحيح من الناحية السياسية، في عقد الستينات والسبعينات للقيام بهذه الأمور، سواء كانت فعالة أم لا.