أية قراءة موضوعية للمشهد السوري الماثل، ستكون مُفارقة للحقيقة والحق إذا لم تضع في الاعتبار طبيعة اللحظة التاريخية وتداعياتها المؤكدة. هنا تنتفي أدوات الماضي القريب والبعيد، أمام استحقاقات الراهن المُداهم الذي يتطلّب جهازاً سياسياً مفاهيمياً، يتخلّى عن البيروقراطية والتكلُّس واستدعاء طرائق الماضي، في التعامل مع الاحتجاجات والمطالب الشعبية المشروعة. لقد رأينا بالأمس القريب درجة إخفاق النظام المصري السابق في التصرف، عندما تعامل مع اللحظة الراهنة بأدوات بالية، كإغلاق الانترنت والتلفونات، وصولاً إلى استخدام القوة، وأخيراً تعمُّد إيجاد فراغ أمني يؤدي إلى انتشار الحرائق العبثية، وأعمال النهب والترويع. الأمر ذاته تكرر في اليمن، وكانت النتيجة ما نراه ماثلاً اليوم، فالمطالب الجماهيرية اتسعت حتى تجاوزت المنطق السياسي المُتعارف عليه، والمعارضة الرسمية أصبحت في حيرة من أمرها: هل تلتحق بثورة الشارع أم تظل ممسكة بجمرة التوافق والتصالح في اتجاه التغيير؟
عرّابوا الإدارة بالمنطق الأمني العسكري في مصر واليمن وسوريا، ظلوا يعتقدون بأن هذا الأسلوب سيذكر الناس بأفضليات الدولة والنظام (وفق نموذجهم الذهني للدولة والنظام)، لكن النتيجة كانت العكس تماماً، فقد استُفز الناس في سويتهم الحياتية، حتى أصبحوا يناجزون النظام بأدوات أكثر راديكالية من أي وقت مضى. لقد ثبت بطلان وعُقم هذه الأساليب، التي كان من نتائجها المباشرة المزيد من الاحتدام في الشارع، والتوسع الكبير في الانتفاضة الجماهيرية، التي بدت كما لو أنها متتالية صاعقة التكاثر والتوسع. استنسخت الأجهزة الأمنية ذات التدابير العقيمة، متناسيةً أن ما كان صالحاً في الأمس لم يعد صالحاً اليوم، وبهذا أوقعت نفسها والدولة في مصيدة أزمة سياسة عصيّة على الحل، دونما تنازل النظام والتخلّي الطوعي عن مواقعه، بل سقوطه الحر.
ومن العجب العجاب أن سدنة الأمن والإدارة السياسية، كانوا في صورة ما جرى في مصر، لكنهم انساقوا لحكم العادة وتطاولوا في التخريجات الأمنية الخائبة، فتحمّل السياسي تبعات الأمني، وتحوّلت اليمن وسوريا إلى حالة غليان لا تبدأ بالتظاهرات والاعتصامات، ولا تنتهي بالعصيان المدني والخسائر المليارية اليومية. تلك التجارب الماثلة أيضاً أمام القيادة السورية، لم تؤخذ بعين الاعتبار من قبل الأجهزة والمؤسسات التي دأبت على معالجة المشاكل بالأدوات القديمة ذاتها ، والشاهد ما يلي:
* منع الإعلام العربي والعالمي من متابعة ما يجري في سوريا، ما يعني إفساح المجال لإعلام الوسائط "جبراً لا خياراً"، ذلك الإعلام الذي يتم بالكاميرات الشخصية وإفادات شهود العيان، والنصوص التحريرية الفاقدة للمهنية.
كان الأجدى للنظام السماح للإعلام العربي والعالمي بمتابعة ما يجري على الأرض، وعدم تكرار أخطاء نظامي مصر واليمن اللذين قدما رصيداً معنوياً هائلاً للفضائيات الإخبارية المشغولة ببورصة الكر والفر. ففي الحالة المصرية تكررت إشارة قناة "الجزيرة" في عشرات الفضائيات المتطوعة لنقل إشارتها، وفي الحالة اليمنية أصبحت كاميرات المواطنين وإفادات المحتجين، مصدراً "غير مهني" لما يتم تعميمه عبر الفضائيات. وفي الإعلام السوري يتكرر الأمر، في إصرار غير مفهوم على استبعاد المهنيّة المعلوماتية التي يلتزم بها الإعلام الرشيد، وخاصة وكالات الأنباء والفضائيات العالمية، وكثرة كاثرة من الفضائيات والإذاعات والصحف العربية التي لا مصلحة لها في تأجيج الشارع السوري. كما أن حضور الإعلام المؤسسي العربي والعالمي، يمنح وزارة الإعلام السورية إمكانية رفع قضايا جنائية على المتجاوزين للحقائق، أو من يدلون بمعلومات لا قرينة لها على الأرض، مما هو معروف في قوانين الصحافة بأنواعها المرئية والمسموعة والمقروءة. إن منع الإعلام العالمي منمواكبة الحدث، سمح ويسمح بتجاوز عتبة المصداقية المهنية، ويضع النظام السوري أمام أشباح يقاتلها بأدوات الإعلام الرسمي العقيمة. وما يزيد الطين بلّة، أن غياب الإعلام المؤسسي العربي والدولي، يفقد الإعلام الرسمي السوري مصداقيته، ويجعله مجرد رجع صدى افتراضي لما يتم من تعميم يومي عبر مبادرات الفيسبوكيين وأمثالهم.
* التركيز على نظرية المؤامرة من قبل الإعلام الرسمي السوري لا يخدم النظام، بل العكس تماماً، ففي هذ القول الدائم إشارة ضمنية إلى تخلي النظام عن مسؤوليته الأساسية في حماية مواطنيه، وملاحقة من يسمون "الشبيحة"، فالنظام هو المسؤول أولاً وأخيراً عن حماية المواطنين، واستتباب الأمن والنظام، ولا بد أن يعتلي على الشواهد والمشاهد، بدلاً من الانخراط في صراع عقيم مع أدوات المؤامرة الافتراضية، والوسائط المتعددة.
مما لا جدال فيه أن حقيبة الإصلاحات التي أعلنها الرئيس بشار الأسد، لم يكن يحلم بها الكثيرون قبل هذه الظاهرة الاحتجاجية الشعبية، التي تتصاعد في وتيرتها لتصبح انتفاضة شاملة. لكن جُملة الإصلاحات المُعلنة تتراجع تباعاً أمام سقف المطالب التي ترتفع بمتوالية عكسية تماماً، وتكمن المشكلة في أن مستشاري النظام من الحرس القديم والبيروقراطيين المتكلسين، والأمنيين المأفونين بمنطق القوة والحسم.. كل هؤلاء يقرأون الواقع وفق عدسات الماضي القريب، مُتناسين أن معايير اليوم لم تعد معايير الأمس، وأن الشارع العربي السوري في توق متجدد لحلول ملموسة، تبدأ بالإصلاح الدستوري الناجز والسريع، ولا تنتهي به.
إن أبرز النقاط التي يمكن رصدها إيجاباً في مسار الإصلاح المطلوب، تتركز في شرْعنة التعددية السياسية، وإلغاء قانون الطوارئ غير مأسوف عليه، وإطلاق سراح كل سجين سياسي، وتحرير الإعلام، وإعادة النظر الشامل في المركزية الأمنية، تسييراً وتطويعاً لعوامل المجتمع. والأهم من هذا وذاك، إطلاق العنان للتنمية الأفقية، من خلال ليبرالية اقتصادية حقيقية تُعظم الأفضليات، وتسهم في الارتقاء بثقافة العمل والإنتاج، لشعب لا يفتقر البتة لهذه الثقافة، بل يتميز بها تاريخياً.
إذا ما تمت هذه الإجراءات بالترافق مع زمن الانتفاضة واستحقاقاتها، فإن كامل الوعود السابقة والإصلاحات الماثلة، ستشكل سياجاً متيناً لحماية التغيير، بل ومأسسته، وبهذا المعنى ستُجسد سوريا نموذجاً مغايراً لما جرى في مصر وتونس واليمن وليبيا. وأعتقد جازما بأنه ما زال في الوقت متسع، وأن بمقدور الرئيس بشار الأسد أن يقبض على جمرة الاستحقاقات الداخلية الماثلة، وأن يتخلّى عن نظرية المؤامرة التي لا تفسر الظاهرة من كل جوانبها.
حقاً أن لدى الآخر السياسي الإقليمي والدولي حساباته المؤكدة، وليس من بلد يستطيع إدارة عوامله الداخلية بمعزل عن تأثيرات الخارج. لكن الاتساق مع مقتضيات العصر، والذهاب بعيداً في الشفافية والانفتاح واللامركزية، هو الضامن الأكبر لإحباط المؤامرات إن وجدت. أما الإقامة في زمن المنع والمحاصرة والتشبيك الأمني، فدونها المتغير العاصف الذي سيأتي بقوة التاريخ وقوانينه الماكرة.