إذا كان الأميركيون يعتقدون أن أسعار الوقود والغذاء مرتفعة في بلادهم، فعليهم أن يجربوا زيارة أوروبا، حيث تعد الأسعار هناك ضعف نظيراتها في الولايات المتحدة، في حين أن الرواتب غالباً ما تكون أقل. الإيطاليون، مثل معظم دول جنوب أوروبا المنهارة حالياً.
في حاجة ماسة لخصخصة المرافق العامة المتضخمة. يحاول السياسيون كبح جماح المعاشات التقاعدية، وتشجيع القطاع الخاص على توظيف العمال وشراء المعدات، كوسيلة لجذب الشركات الأم الأجنبية الحذرة، لإقراض تلك الشركات الطائشة المزيد من الأموال لإنقاذها.
من الناحية النظرية، يقبل الإيطاليون أنهم سوف يضطرون إلى أن يكونوا أكثر شبهاً بالألمان، وأقل شبهاً بالأيرلنديين والبرتغاليين والإسبان.
في الواقع، قد ينتهي بهم الأمر إلى أن يكونوا مثل اليونانيين، الذين لا يزالون مضربين ويشاغبون في بعض الأحيان، لأن القليل للغاية من الأجانب يرغبون في مواصلة دعم جنتهم الاشتراكية. لا تزال الكتابات على الجدران باللون في الشوارع الإيطالية، تعكس التضامن الاشتراكي، في حين يخاطب الساسة الإيطاليون المقرضين الأجانب بلغة الرأسمالية.
يمكن للاتحاد الأوروبي، شأن مؤتمر القرن التاسع عشر في فيينا، أن يشير إلى إنجاز واحد، وهو الغياب العام للحرب في أوروبا الغربية لأكثر من 60 عاماً. وخلافاً لذلك، فإن كل وعوده الاشتراكية تقريباً المتعلقة بالمساواة، في النتيجة تنهار داخلياً أمام أعينهم.
وكلما ارتفعت الضرائب، زاد عدد الناس الذي يغشون في سدادها وتقلص الدخل. هناك في بعض الأحيان نمطان من الأسعار في إيطاليا (وفي أماكن أخرى من أوروبا أحياناً)، وهما السعر الرسمي الذي يشتمل على ضريبة القيمة المضافة العالية التي يسددها المتهورون، والخصم الذي يتم التفاوض حوله في الخفاء، والمعفي من الضرائب التي يحصل عليها المتسوق المساوم.
أوروبا في الأساس بلا حول ولاقوة، في الوقت الذي تخفض الحكومات المزيد من ميزانيات الدفاع للإبقاء على استحقاقات نشر الثروة.
حاولت فرنسا وبريطانيا، وهما أبرز قوتين عسكريتين في القارة الأوروبية، منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر، إلحاق الهزيمة بدولة القذافي التي يقل عدد سكانها عن سبعة ملايين نسمة، وهي نفسها التي انقسمت بسبب الحرب الأهلية.
ويبدو أن أسلاف "ويلينغتون" ونابليون، أبعد ما يكونون عن مجاراة القذافي أو حركة طالبان. فكلا البلدين سوف يغادران أفغانستان قريباً في حالة إحباط.
لم تؤد طاقة الرياح والطاقة الشمسية المدعومتان، إلى زيادة كبيرة في إمدادات الكهرباء الأوروبية، لكنهما ساعدا على ارتفاع فواتير الطاقة.
ويبلغ غالون البنزين المثقل بالضريبة المرتفعة نحو 10 دولارات، لضمان استخدام السيارات الصغيرة والاعتماد على النقل الجماعي. يعشق المخططون المركزيون ما ينتج عن ذلك من العيش في شقق بطابع أوروبي، ذات كثافة مرتفعة وغير مزودة بالمرائب أو الساحات الخلفية أو غرف النوم الثالثة. ومع ذلك، فإن التسونامي الأخير في اليابان والتلوث النووي المصاحب، ذكّر الحكومات الأوروبية بأن نماذجها الهشة بشكل مماثل لمستوى المعيشة الحضري إلى حد كبير والمكثف بشدة، يجعلهم عرضة على قدم المساواة لمثل هذه الكوارث.
ربما تشيد الثقافة الشعبية باستخدام المترو والقطارات. ولكن في كل دقيقة أو دقيقتين، هناك مسؤول حكومي في موكب من السيارات يندفع عبر المرور، بينما تجبر قوات حرس من الشرطة على التجمد جانباً.
. هناك طبقة من التكنوقراط الأوروبيين ممن يركبون سيارات الليموزين، يتقلدون مناصب حكومية ويديرون منظمات دولية، منهم على سبيل المثال الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي دومينيك ستروس-كان، يعيشون شأن الأرستقراطيين من القرن الثامن عشر في "فرساي"، في الوقت الذي يتفوهون بالعبارات الاشتراكية المبتذلة.
في جميع أنحاء أوروبا الغربية، هناك فئة أدنى اجتماعياً، من المهاجرين من شمال إفريقيا وجنوب الصحراء الإفريقية والباكستانيين، الذين لم يتم استيعابهم، يعملون باعة متجولين للبضائع، ويقومون بمهن وضيعة، ويتم احتقارهم على نحو متزايد من قبل الأوروبيين، بينما تشتد قسوة الحياة. هناك عدد متزايد من أبناء الطبقات العاملة في أوروبا يعتقدون بكون دولة الرفاه، تعني وقوداً وغذاء مرتفعي السعر بالنسبة للجماهير، والعيش في شقق صغيرة وباهظة الإيجار، والحصول على دخل محدود، أما الكثير من الامتيازات الأرستقراطية فيحصل عليها التكنوقراط الذين يشرفون على فوضى إعادة التوزيع.
وتعتبر فكرة وجود فئة كبيرة ومحترمة من العصاميين ورجال الأعمال أصحاب التفكير المستقل، وأصحاب المشاريع من الطبقة المتوسطة والعليا، بمثابة المفهوم الذي يبدو أجنبياً، إن لم يكن تخريبياً.
يبدو أن اليأس المعلن الآن يتخلل أوروبا الغربية. ويتساوى ماضٍ مجيد بدولارات السياحة، وليس بتقدير عصر النهضة الأوروبية أو عصر التنوير. فالكنائس المهيبة أصبحت أقرب إلى متاحف لتحقيق الربح أو محطات سياحية، أكثر منها معالم موقرة لثقافة الماضي والعقيدة الحالية.
غالباً ما كان العالم المسيحي الأوروبي يساعد على الحفاظ على الإنسانية خلال الأزمات المروعة، ولكن ما كنت لتعلم ذلك أبداً من أوروبي ساخر، والذي يبدو غير مبالٍ أو يشعر بالأسف إزاء الأصول الأوروبية للحضارة الغربية، المسؤولة عن الكثير مما هو جيد في العالم اليوم.
يثير كل هذا الاضطراب الأوروبي تناقضاً. فإذا كان الأوروبيون المتشائمون يسلمون بأن ثمة خطأ فادحاً في تجربتهم مع الاشتراكية التي امتدت نصف قرن من الزمان، فإن المهاجرين الذين لم يتم استيعابهم والدفاعات الثقافية وتخفيضات نفقات الدفاع ونزعة ما بعد القومية تعزز التشاؤم والقلق.. فلماذا تصر إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، على تبني ما يرفضه الأوروبيون؟