أدت مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية إلى تزايد الاهتمام بقضايا الشباب، كما أن أعمدة الصحافة المحلية تحفل هذه الأيام بموضوعات تهم شرائح عديدة في مجتمع الإمارات، وهي ظاهرة تجد القبول والاستحسان.

. ومن بين ما طرح وأوصى به المشاركون في مؤتمر تنمية الموارد البشرية الذي عقد مؤخرا، مقترح المطالبة بإيجاد بنى تشريعية وسند قانوني يتيح للعاطلين عن العمل من المواطنين الشباب، حق الانتفاع بنظام التأمين الاجتماعي، أو حق الحصول على مساعدة اجتماعية شهرية، على غرار المعمول به في العديد من دول العالم.

.. وكما سبقت الإشارة فإن دولة الإمارات تعتبر من أفضل دول المنطقة، من حيث حجم المساعدات الاجتماعية التي تدفعها للفئات والشرائح الأكثر استحقاقا لها، حتى أن الباحث عن عمل يحق له الحصول على إعانة اجتماعية متى ما تبين أنه عاطل ويعاني من بطالة حقيقية، يستدل عليها من بيانات استمارة دراسة الحالة، للتأكد من أنه طرق أبواب عمل عديدة دون جدوى.. هذا يتطلب ضرورة التفرقة بين العاطل الباحث عن عمل، .

والمتبطل الذي تتاح له وتعرض عليه فرص عمل لأكثر من مرة لكنه لا يقبلها، إما لأنها لا توفر له المكانة الاجتماعية التي يتطلع لها أو أن راتبها أقل مما يتوقع، أو أن مسمى الوظيفة أو مكانها يلطخ سمعته الأدبية..

فهنالك من عرضت عليه وظيفة قيادية في الصرف الصحي وبراتب مقدر لكنه رفضها، ومواطن آخر رفض العمل كمسؤول عن المسلخ المركزي، أو مركز تدوير النفايات.. وغيرها من المهن الشريفة، لكنها لا تحظى بالقبول لأنها تفتقر للوجاهة الاجتماعية!

إن التحليل السوسيولوجي للمجتمعات الخليجية، يشير إلى أنها مجتمعات تنفر من العمل اليدوي، وتفضل أن يعهد به إلى آخرين، بما في ذلك بعض المهن التي كانت من صميم عمل الإنسان الخليجي في أيام ما قبل تدفق النفط، كصيد اللؤلؤ أو صيد الأسماك وحصاد الإنتاج الزراعي وما يرتبط به من أعمال هامشية مصاحبة؛ كرعاية الحيوانات وتدبير شؤونها.

.. ولا بد أن حركة التغيير الاجتماعي المتسارع أحدثت تبدلات هيكلية في بنية هذه المجتمعات، فتغيرت النظرة إلى العمل، وهو ما أشارت له كتابات أساتذة علم الاجتماع والمشتغلين بنظريات التغيير الاجتماعي.

وعلينا أن نسعى لتجاوز الآثار السلبية التي أحدثها التغيير المفاجئ الذي أصاب هياكل المجتمع.. ولعل من أهمها الترفع عن أداء العمل اليدوي، علما بأن الحضارة هي صنيعة العمل اليدوي كما يرى علماء الانثروبلوجيا الحضارية..

من جهة أخرى كشفت نتائج مقابلات عديدة أجريت مع مجموعات من شباب مواطنين حديثي التخرج، من الباحثين عن وظائف مرموقة ومن يعملون ويرغبون العمل في مجال تخصصهم، تدني معرفتهم باللغة العربية وضحالة معلوماتهم عن أسماء الوزراء والأجهزة التشريعية والتنفيذية وعدد الدوائر المحلية، وغيرها من المعلومات البديهية..

وبالطبع لم يتم استيعابهم، والمدهش أن معظمهم لا يقرأ الصحف، والبعض يقرأ الملاحق الرياضية فقط. ولعلي أشير إلى ندوة عقدت مؤخرا حول التوطين، ثار فيها جدل طويل حول محور قضايا التوط.

وهي من القضايا الشائكة التي تتصدر سلم الأولويات، خصوصا في الوقت الراهن، لارتباطها بأطروحات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبسوق العمل وتركيبة المجتمع السكانية

.. والتوطين في اعتقادي ليس مجرد حق يتيح للمواطن أحد أهم حقوق المواطنة وهو حق العمل، بل لأن التوطين يعتبر من الآليات التي تعزز الهوية الوطنية والإحساس بالانتماء لهذا الوطن المعطاء.. والأهم من ذلك كله، أن التوطين حسبما أرى يعتبر العصا السحرية لإبطال تداعيات خلل التركيبة السكانية.

أعود للقول إن التوطين كان وما زال وسيظل قضية الحاضر والمستقبل، خصوصاً في وقت توفر فيه الدولة حوالي 500 ألف وظيفة تتاح فرص التوظيف فيها للأجانب والوافدين بدرجات ما، دون إنكار لما بذلوه من جهود في كافة الميادين.

. وتبقى الحلول الممكنة في تقديري تتمثل في سلسلة من التدابير الإجرائية، لعل من أهمها: الإسراع والتوسع في برامج تدريب وإعادة تأهيل الشباب المواطنين في مراكز التدريب المهني التي تستوعب الفاقد التربوي.

وزيادة عدد مراكز التكنولوجيا التطبيقية ومراكز التدريب المهني، لاستيعاب الباحثين عن مهن فنية. وابتعاث أوائل الطلاب والمتفوقين لاستكمال دراسات تخصصية متقدمة في الخارج، في كافة المجالات العلمية. وتطوير آليات عمل الهيئة الاتحادية للموارد البشرية.

والأهم من ذلك كله ضرورة ربط التوطين بقضية التركيبة السكانية، لأنهما متلازمتان ومعالجتهما لا يمكن أن تتم إلا بقرارات سيادية، على أن تشارك فيها الوزارات الاتحادية والدوائر المحلية وعلى مراحل.

. وبشيء من عدم التسرع حتى لا تكون الخسائر أكبر من المكاسب. والأهم من ذلك كله ربط مخرجات التعليم بحاجة سوق العمل.

.. وهنالك مفارقات بشأن المواقع المتقدمة التي أخذت تحتلها الفتاة الإماراتية في سوق العمل، إذ تشير تقارير إدارات الموارد البشرية إلى قدرة الشابة الإماراتية على الثبات والمهارة والقدرة المميزة على الانضباط والأداء المتقن، مقارنة مع زميلها الشاب، .

وفي ذلك تميل الآراء إلى ضرورة تشجيع الشباب للاستفادة من مشروعات الاستثمار الأصغر، كالتي يدعمها مشروع خليفة للمشاريع ومؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب والإمارات للنفع العام..

وهي مؤسسات في انتظار أفكار ومبادرات الشباب الجادين الراغبين في دخول سوق العمل، وهم الأغلبية من أبناء هذا الوطن المعطاء، الذين يعول عليهم في حمل مشعل تقدم ورفعة هذا الوطن، ودفع مسيرة التنمية المستدامة التي لم تتوقف أبدا لأكثر من ثلاثة عقود.

في اعتقادي لا بد من تضافر كافة الجهود لتجاوز ظاهرة مفتعلة، هي التبطل وليست البطالة بأي حال من الأحوال. رب قائل إن الحل الجذري للمشكلتين يحتاج لزمن ليس بالقصير، وليكن كذلك.. فمسيرة الألف ميل تبدأ.. بخطوة.