عندما أطلق الرئيس الأميركي أوباما تصريحاته الشهيرة في الشهر الماضي حول حل الدولتين والذي أشار فيه إلى حدود 67 كأساس للدولة الفلسطينية الموعودة مع تعديلات متفق عليها مع إسرائيل، لم يكن الرجل من السذاجة بأن يفتح معركة (يعلم أنه لن يكسبها) مع اللوبي اليهودي الأميركي، وبأن يعرض نفسه لخسارة التأييد بالغ التأثير في الانتخابات الرئاسية القادمة، أوباما بالقطع أذكي من ذلك.
وقد عاد بعد أيام قليلة ليعيد قراءة التصريح بالطريقة التي أرضت إسرائيل وأرضت اللوبي الصهيوني الأميركي وينهي الضجة المفتعلة التي لم يكن لها من أثر إلا زيادة شعبية رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في صفوف اليمين الإسرائيلي، وإعلان الكونجرس الأميركي كأنه مستوطنة إسرائيلية خاضعة لحكم الحاخامات الإسرائيليين بكل تعصبهم ونازيتهم!
الترحيب العربي بتصريحات أوباما التي لم تصمد إلا ساعات، تجاهل الأهم بالنسبة للفلسطينيين في هذه التصريحات، أوباما في هذه التصريحات كان يذكرنا بالنكتة الشهيرة التي قيلت في بداية عهد الرئيس المصري الأسبق أنور السادات للتعبير عن أسلوبه في الحكم، حيث قيل إنه استقل السيارة فسأله السائق في أي اتجاه يسير؟ فأجاب: أطلق إشارة السيارة في اتجاه اليسار ثم اتجه بنا إلى اليمين.
هكذا تحدث أوباما عن الدولة الفلسطينية وحدود 67، ثم أظهر الأساس الحقيقي لتحركه حين أشار إلى التحرك الفلسطيني نحو استحقاق أيلول (سبتمبر) للحصول على اعتراف الأمم المتحدة وعضويتها، فأكد معارضة أميركا لهذا التحرك متهماً الجانب الفلسطيني بأنه يسعى لنزع الشرعية عن إسرائيل، ومتوعداً بان هذه الجهود ستؤول إلى الفشل (بفضل أميركا بالطبع وبسلاح الفيتو الذي لم يعد يستخدم إلا لحماية إسرائيل).
كان هذا هو الهدف الأساس من تحرك أوباما الذي ساندته بقوة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون شديدة الانحياز لإسرائيل والمقربة من اللوبي اليهودي الأميركي منذ أن كانت عضوا في مجلس الشيوخ عن معقل نفوذ هذا اللوبي في ولاية نيويورك.
كان أوباما يطلق الحديث عن الدولة وحدود 67 ليبدأ معركة إجهاض التحرك الفلسطيني العربي الذي تشعر إسرائيل بمدى خطورته، والذي يقول أوباما إنه نفسه يهدف لنزع شرعية إسرائيل، وكان الرئيس الأميركي يضع في حساباته الزخم الذي اكتسبه التحرك الفلسطيني في الفترة الأخيرة، وتوالي اعترافات الدول أو وعدها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وكان ما يزعج الإدارة الأميركية هو تطور الموقف الأوربي ومساندته للتحرك الفلسطيني، وهو ما يجعل الولايات المتحدة وحيدة في موقفها المعارض عند عرض القضية على مجلس الأمن.
صحيح أنها ستعطل التحرك الفلسطيني باستخدام «الفيتو ولكنها مكشوفة في انحيازها غير المبدئي وغير الأخلاقي أمام العالم، وأمام رأي عام عربي أصبح عليها أن تحسب حسابه في ظل ربيع التحرر والتغيير الذي يجتاح العالم العربي ويخلق واقعاً جديداً سيكون له تأثيره الكبير في مستقبل المنطقة وعلاقاتها مع دول العالم.
ومع اقتراب اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر)القادم، تتزايد التحركات من كل الأطراف، وتبدو الإدارة الأميركية أكثر تصميماً على هدفها في إجهاض التحرك الفلسطيني العربي، وأيضاً في سد كل الطرق إلا الطريق الذي ترغم فيه السلطة الفلسطينية على استئناف التفاوض بلا شروط وفي ظل استمرار الاستيطان وبدون أي ضمانات ومع الاعتراف المسبق بيهودية الدولة الإسرائيلية، ثم انتظار ما يجود به نتنياهو المدجج بتأييد اليمين الإسرائيلي والكونجرس الأميركي وقلة حيلة الرئيس الأميركي الذي ينتظر الدعم اليهودي في انتخابات يدخلها بعد عام.
هكذا وقفت الإدارة الأميركية تنظر بامتعاض إلى اقتراح فرنسي أراد أن ينقذ الموقف ويبعده لمواجهة في سبتمبر، ولم يكن في الاقتراح ما يغضب واشنطن لو كانت النوايا طيبة، فهو لا يتحدث إلا عما أعلنه أوباما بأن أساس التسوية هي حدود 67 مع تبادل متفق عليه للأرض، ثم جدول زمني لمدة عام لإنجاز قضايا الوضع النهائي، على أن يمتنع الطرفان خلال هذه المهلة عن أي خطوات من شأنها الإضرار محل التفاوض.
بالطبع هذا مرفوض من إسرائيل التي يعرف العالم أنها لن تقدم أي شئ على طريق التسوية السياسية في ظل حكومة نتنياهو وسيطرة اليمين. وما هو مرفوض من إسرائيل لا يمكن ان توافق عليه واشنطن التي تريد في النهاية مفاوضات بلا سقف زمني، وحل على مراحل يتم تنفيذه على سنوات طويلة، ولا تعارض في نهاية الأمر التوجه الإسرائيلي الأساسي نحو دولة فلسطينية بحدود مؤقتة خاضعة أمنياً واقتصاديا وسياسيا للسيطرة الكاملة الإسرائيلية ولا تزيد في النهاية عن حكم ذاتي يجنب إسرائيل مسئولية الاحتلال ويمنع أي تهديد لـيهودية الدولة العبرية.
الضغوط الأميركية لم تنقطع على الفلسطينيين والعرب لإجهاض التحرك في سبتمبر. ويبدو أن آثار الضغوط قد بدأت تظهر في الحديث عن انقسام في السلطة الفلسطينية حول جدوى استحقاق أيلول «سبتمبر» الذي مازال متمسكاً به أبو مازن ومعه بعض التيارات الفلسطينية، وبينما يعارضه آخرون منهم سلام فياض وأبو العلاء وغيرهم ممن يقولون إن العقبات كثيرة والفيتو الأميركي مؤكد والذهاب للجمعية العامة والحصول منها على قرار لن يقدم ولا يؤخر، ولن يترجم إلى عضوية كاملة في المنظمة الدولية ما دام الفيتو الأميركي قائماً، وان الثمن سيكون باهظاً بالصدام مع الإدارة الأميركية التي لن ترضي بتعرية موقفها كمؤيد وحيد للاحتلال الإسرائيلي، ثم (وهذا بالطبع هو مايقلق هذا الفريق) إن القرار سيفتح الباب أمام انتفاضة فلسطينية جديدة لا يعلم إلا الله إلى أين تأخذ القضية الفلسطينية.