تشهد الممارسة الإعلامية هذه الأيام كما شهدت خلال العقود الأخيرة، انزلاقات وانحرافات خطيرة، مضايقات ومشكلات وضغوطا يتعرض لها القائم بالاتصال في عمله اليومي، من قبل جهات عديدة ومختلفة شغلها الشاغل هو ابتزاز واستغلال المؤسسة الإعلامية لمصالح ضيقة، على حساب إعلام موضوعي، مسؤول وهادف. انزلاقات وانحرافات عديدة، تكون نتيجة التربص بالمهنة الشريفة، وتكون مخرجات المؤسسة الإعلامية في آخر المطاف التشويه والتضليل والإثارة والانحياز في طرح الخبر ومعالجته.

جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 أنه «لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار ونشرها بأية وسيلة كانت، دون التقيد بالحدود الجغرافية». ويقول سقراط «لكي تكتشف الفضيلة لا بد أن تعرف نفسك وتعرف الآخرين، فهذا هو الخير الأعظم للإنسانية»، ويرى أنه يمكن الوصول إلى الحقيقة من خلال المناقشة الحرة. وهذا يعني أن حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، السوق الحرة للأفكار، هي مستلزمات لا بد منها للوصول إلى الديمقراطية والرفاهية والازدهار.

إشكالية هامة جدا وحساسة تتمثل في ظروف العمل والصعوبات والمشاكل والأخطار المختلفة، التي يتعرض لها المراسل الصحفي في عملية البحث عن الحقيقة والبحث عن المعلومات وتقديمها للجمهور. من خلال التجارب المختلفة للمراسلين والإعلاميين في جميع أنحاء العالم، فإن عملية البحث عن الحقيقة وعن الخبر لا تُقدم دائما على طبق من ذهب، والإحصاءات تظهر أن مئات الصحافيين يموتون سنويا، بالتصفية الجسدية والقتل والاغتيال من قبل الجماعات الإرهابية والأنظمة الدكتاتورية والمافيا المالية والسياسية، سواء في دول الشمال أو الجنوب.

فحسب تقارير «مراسلون بلا حدود» لقي 580 صحافيا حتفهم في السنوات العشر الأخيرة، ونصف دول العالم لا يحترم حرية الصحافة، أضف إلى ذلك أنه في العديد من دول العالم، لا توجد قوانين تحمي المهنة والمهنيين من جبروت سلطة المال والسياسة والمافيا بمختلف أنواعها وأشكالها. وفي الكثير من دول العالم الثالث لا توجد نقابات للصحافيين، ولا مواثيق شرف ولا أطر ومعايير مهنية وعلمية وأخلاقية، لتنظيم مهنة شريفة وتلعب دورا استراتيجيا في المجتمع.

هكذا يجد القائم بالاتصال نفسه أمام ميادين مملوءة بالألغام والمشاكل والعراقيل، وهدفه في نهاية المطاف هو البحث عن الحقيقة وتقديمها للرأي العام كما هي لا غير. والمشكل هنا يكمن في أن قول الحق وتقديم الواقع كما هو للرأي العام، لا يعجب الكثير من الفئات والجهات في الكثير من الأحيان، وفي أحيان أخرى لا يعجب السلطة ولا يعجب أصحاب المال والنفوذ… الخ. وتشير التقارير كذلك إلى أن آلاف الصحافيين عبر العالم يزج بهم في السجون والمعتقلات، وفي الكثير من الأحيان لا أحد يسأل عنهم أو يدافع عن قضاياهم، وهذا هو جزاء من يبحث عن الحقيقة وعن الصالح العام.

يظن الكثيرون أن التعددية السياسية أو الإعلامية تؤديان لا محالة إلى حرية الفكر والرأي والإعلام، وهذا طرح خاطئ فقد برهنت عدة تجارب أن حرية الصحافة هي ثقافة وسلوك واقتناع، قبل أن تكون قوانين وتشريعات. ففي أنظمة كثيرة حرية الصحافة تعني الامتناع عن قول كل ما يحرج السلطة، والتركيز على كل ما يرضيها ويسعدها.

إن من واجب كل مؤسسة إعلامية أن تحمي صحافييها، وهؤلاء الذين يلهثون ليل نهار بحثا عن الخبر وعن الحقيقة وعن إعلام الجمهور، وكل هذا يجعل من «أخلاقية» العمل الإعلامي ضرورة حتمية لا بد منها للممارسة الإعلامية النزيهة والشريفة والهادفة. فكل مؤسسة إعلامية مطالبة بأن تحدد بكل وضوح ودقة المحرمات والمباحات، وواجبات القائم بالاتصال وحقوقه.

وعادة تتحدد المحاور الرئيسية لميثاق الشرف الإعلامي في ما يلي: المسؤولية، الأخلاق، الدقة والموضوعية، احترام شعور وديانات ومقدسات الآخرين، احترام الحياة الخصوصية لأفراد المجتمع، حق الجمهور في الأخبار والمعرفة والمعلومات، الالتزام باحترام المهنة والدفاع عنها وحمايتها من كل من يحاول المتاجرة بها أو استعمالها لأغراض غير المصلحة العامة وأغراض المجتمع، الالتزام بحماية الصحافي وحصانته والدفاع عنه عندما تتوجب الضرورة.

إذا انعدمت الأخلاق وسيطرت النزوات الشخصية أو الحزبية أو المالية التجارية، ابتعدت المؤسسة الإعلامية عن خدمة المصلحة العامة، وهذا يعني أنها بدلا من أن تكون المراقب العام في المجتمع والمدافع على الطبقات المحرومة، تصبح في يد فئة محددة تستعملها وتسخرها لخدمة مصالحها حتى لو كانت على حساب المصلحة العامة، وهذا يؤدي إلى انعدام المصداقية وتدهور العلاقة بين الشرائح الاجتماعية العريضة في المجتمع والمؤسسة الإعلامية. بعبارة أخرى؛ المؤسسة الإعلامية تعمل في فراغ تام، وعملية التأثير والتأثر تنعدم من أساسها، وفي غالب الأحيان يتوجه الجمهور المستقبل نحو وسائل ورسائل إعلامية أخرى ليجد ما لم يجده في الرسالة المحلية. وفقدان المصداقية في العملية الإعلامية، يعتبر فشلا للعملية الإعلامية في مهدها.

إن تحديد مهام ومسؤولية المؤسسة الإعلامية وتحديد مهام ومسؤولية القائم بالاتصال، في ضوء ميثاق شرف شامل وواضح المعالمن يعني أننا قضينا على الكثير من الملابسات ومن المناطق الغامضة التي قد تؤدي إلى سوء التفسير والاستخدام. والمؤسسة الإعلامية في المجتمع، مثلها مثل القائم بالاتصال الذي يصنع الرسالة التي تقدم للجمهور، يجب أن تكون لديها رسالة نبيلة تعمل من أجلها ليلا نهارا للدفاع عنها وتحقيقها. ويجب أن تبذل قصارى جهودها لإبراز الحق وتبيان الباطل، فإذا كان الهدف النبيل موجودا والنية موجودة والمستلزمات متوفرة (قوانين، تشريعات، نقابات مهنية، مواثيق أخلاقية)، وكذلك المناخ الديمقراطي وحرية التعبير والرأي، ففي هذه الحالة نستطيع أن نتكلم عن مؤسسات إعلامية فاعلة في المجتمع.

الممارسة الإعلامية مهنة نبيلة، يجب أن تُمارس آخذة بعين الاعتبار كل الأبعاد الأخلاقية والقانونية والتشريعية والمهنية، في التعامل مع الخبر والواقعة والحدث. فالمؤسسة الإعلامية مسؤولة أمام المجتمع وأمام الرأي العام، ومسؤولة مسؤولية أخلاقية كبيرة جدا عندما تضّخم أشياء وتحجب أشياء أخرى، وعندما تركّز على عناصر معينة في الخبر دون غيرها. وجريمة التضليل والتزييف والمغالطة والكذب والتلاعب والتلفيق، أخطر بكثير من أي جريمة أخرى، لأن المؤسسة الإعلامية عندما تزّيف أو تضلّل حقائق ووقائع فإنها تكذب على ملايين البشر وليس على شخص واحد، وهنا تكمن أهمية الأخلاق والالتزام والنزاهة والمسؤولية في العمل الإعلامي، لضمان السوق الحرة للأفكار والرأي والرأي الآخر.