معظم مشاهد الساحة السياسية العراقية شائك وعاصف على مدى تاريخ العراق الطويل، لكننا لا نرغب في الدخول في تفاصيل متاهات ذلك التاريخ المثير للجدل بكثرة مفارقاته، بل سنركز على الجديد منه فحسب، منذ المشهد المؤلم لسقوط العاصمة العراقية بغداد في التاسع من إبريل عام 2003. المشهد العاصف الأخير يتميز عما سبقه من مشاهد، وهو جدير بالتوقف والتعليق، زمنه الخامس من يونيو الجاري، وساحته مبنى مجلس النواب العراقي، والمناسبة هي المؤتمر التشاوري حول الخطة الوطنية لحقوق الإنسان في العراق، الذي عقدته وزارة حقوق الإنسان بحضور رئيس الوزراء، وممثل الأمين العام للأمم المتحدة (إد مليكرت)، ورئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب، وممثلة منظمات المجتمع المدني، وعدد من المهتمين بهذا الشأن. ويأتي هذا المؤتمر التشاوري في ظل أوضاع أمنية متدهورة، وأزمة سياسية خانقة تحاصر بالدرجة الرئيسية رئيس الوزراء نفسه.

إن قيام الحكومة العراقية بتشريع قانون لحقوق الإنسان أمر على درجة كبيرة من الأهمية، على المستويين المحلي والدولي، ولكن ما يستوجب التوقف عنده، في هذا الصدد، هو ما جرى في قاعة الاجتماع من صور متناقضة. فقد كشفت وقائع المؤتمر عن الثقافة البعيدة عن حقوق الإنسان التي يتصرف بها المسؤولون، مما يثير التساؤل والقلق حول مستقبل هذه الحقوق.

لم يكن رئيس الوزراء موفقاً في كلمته، فهو لم يستطع أن يبعد عن أجواء المؤتمر مشاعر الود المفقود التي يحملها نحو منظمات المجتمع المدني، وكان متحاملاً بشكل ملفت للنظر على هذه المنظمات، حين ربط نشاطات بعضها بالعمليات الإرهابية، متجاهلاً حقيقة أن اختراقات بعضها من قبل أحد العناصر الإرهابية، لا يرجع لعيب فيها قدر ما يمثل عيباً في المؤسسة الأمنية الأكثر اختراقاً، والتي يتربع بنفسه على قمة هرمها. اتهامات خطيرة كهذه تسهم في خلط الأوراق، وتزيد من ضبابية المشهد العراقي، وتشل عمل منظمات المجتمع المدني التي تعتبر إحدى أبرز الركائز لضمان البناء الصحيح لدولة مؤسسات ديمقراطية، وهي بكل تأكيد لا تخدم رئيس الوزراء نفسه، بل تسهم في زيادة عزلته. هذه الكراهية لها مبرراتها لدى رئيس الوزراء، فعيون هذه المنظمات المفتوحة، ساهرة ترصد أعمال حكومته بدقة أكثر مما يستطيعه مجلس النواب، الذي كثيراً ما تهادن معه وتسامح في تمرير طبخات أصابت الجمهور بالإحباط، هذا إضافة إلى دور هذه المنظمات المتميز في التظاهرات التي اندلعت منذ الخامس والعشرين من فبراير المنصرم، لتصحيح مسارات العملية السياسية.

رئيس الوزراء في كلمته هذه، يوجد المبررات لعمليات القمع التي مارستها الأجهزة الأمنية للشباب المحتج في ساحة التحرير كل يوم جمعة، تلك الإجراءات التي تسببت في غضب جماهيري عارم داخل العراق وخارجه، لتعارضها مع الدستور وتجاوزها على حقوق المواطن التي وردت فيه.

من جانب آخر، لم يكن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، هو الآخر، موفقاً في كلمته، حين أضاع فرصة هامة لممارسة الدور النبيل المفترض للمنظمة الدولية، والضغط على الحكومة العراقية لأجل تحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان. فقد تجاهل جميع ما صدر عن المنظمات التابعة للأمم المتحدة، والتي لا تتفق مع ما ورد في كلمته من رياء ومحاباة، حين ذكر أن العراق يشهد تقدماً مثالياً في حقوق الإنسان، وبات يحتل المرتبة الأولى في التعامل مع هذه الحقوق في المنطقة! وهو ما أثار غضب منظمات الحقوق المدنية في العراق، واعتبرته خروجاً صريحاً عن مهامه الوظيفية واستهانة بمشاعر العراقيين.

أما كلمة منظمات المجتمع المدني فقد كانت الأكثر صدقاً وبلاغة، والأقوى تأثيراً في النفوس، فحين جرى الالتفاف على أجندة المؤتمر وتم حجب كلمة هذه المنظمات وتجاهل وجودها، تصدت ممثلتها هناء أدور رئيسة جمعية الأمل العراقية، لرئيس الوزراء، بكل عزم وقوة، ليس من على منبر المؤتمر، فهي لم تدعَ إليه، بل من وسط القاعة لتصرخ بحرقة من يتفهم حقوق الإنسان ويتألم للاستهانة بها وتهميشها: أين هي كلمة منظمات المجتمع المدني؟ أيعقل أن نتهم بالإرهاب؟!

الجديد في هذا المشهد هو أن هذه السيدة الشجاعة، بمبادرتها هذه قد سلبت البريق الذي حاول المسؤولون العراقيون إضفاءه على أنفسهم بعقد هذا المؤتمر، مع قرب يوم الحساب بانتهاء مهلة المائة يوم التي ألزم رئيس الوزراء نفسه وحكومته بها من أجل تنفيذ إصلاحات ملموسة.. سلبته لصالح الإنسان العراقي، حين واجهت رئيس الوزراء وطالبته بالإفراج عن الشباب المعتقلين الذين شاركوا في مظاهرات ساحة التحرير المطالبة بالإصلاح، وطالبته كذلك بالاعتذار عن وصف المتظاهرين بالإرهابيين، وسط تصفيق عدد من الحاضرين تضامناً مع ما طالبت به.

ويأتي هذا المشهد العاصف ليرسم صورة قوية الأثر حول البون الشاسع بين مزاعم الحكومة عن التزامها بحقوق الإنسان، وبين واقع الحال، بين ما ينص عليه الدستور وبين ما ينفذ على أرض الواقع. فحقوق الإنسان كانت، ولا تزال، من أكثر القضايا جدلاً في العراق خلال جميع أنظمة الحكم التي توالت في ساحاته. إلا أن العراق الجديد قد وضع في دستوره ما يلزم المؤسسات برعاية هذه الحقوق، على الرغم من أن هناك بعض النواقص التي تعتري هذه الحقوق، فالمادة 38 منه المختصة بها، تحتاج إلى تطوير. وهذا في الحقيقة أمر جديد وعلى قدر كبير من الأهمية، فالدساتير العراقية السابقة، الدائم منها والمؤقت، قد خلت من الإشارة إلى ذلك.

ولكن ذلك ليس سوى جزء من القضية، خطوة أولى على طريق طويل، فما هي قيمة تبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو تشريع قوانين محلية تعزز ذلك، من غير أن تكون هناك ثقافة مجتمعية لدى العاملين في مؤسسات الدولة ولدى المواطنين، تسمح برؤية هذه القوانين رؤية حضارية بعيدة عن الرواسب التاريخية والاجتماعية، ثقافة تخلق رادعا ذاتيا أخلاقيا وقيميا، يحول دون انتهاكها أو الالتفاف حولها أو تهميشها؟

حقوق الإنسان لا يمكن اختزالها بإصدار وثيقة فحسب، بل بتعزيز ذلك بآليات عمل ناجعة، لتأصيل وترسيخ ثقافة الإيمان بها، وتطويرها وجعلها أحد محاور عملية التنمية في البلد، إذ ليس هناك من عامل يساعد الإنسان على أداء العمل المخلص والمنتج والمبدع، يضاهي في أهميته حصول هذا الإنسان على حريته وحقوقه كاملة.