أعطى مجلس الأمن الدولي موافقته على تدخل عسكري في ليبيا، على خلفية التهديدات التي أطلقها العقيد القذافي ضد سكان بنغازي. تلك التهديدات التي بررت اتخاذ القرار 1973 بتاريخ 17 مارس الماضي والذي تطلّب اتخاذه الحصول على تسعة أصوات دون استخدام حق النقض (الفيتو) من أيّة دولة تملكه. عند الاقتراع ارتفعت عشرة أياد بالموافقة بينما امتنعت روسيا والصين والهند والبرازيل وألمانيا عن التصويت. كان ذلك بمثابة نجاح لفرنسا التي بذلت جهودا كبيرة لجذب المترددين. بدأت عمليات القصف الجوّي يوم 19 مارس الماضي، أي بعد ثماني سنوات من عمليات قصف العراق، لكن دون موافقة الأمم المتحدة آنذاك.
بعد ساعات من بداية القصف على ليبيا، بدأت ترتفع الأصوات الناقدة من قبل أولئك الذين كانوا قد امتنعوا عن التصويت في مجلس الأمن، ولكن أيضا من قبل عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية، التي كان طلبها بفرض حظر جوي على ليبيا حاسما في قرار المنظمة الدولية. كان القادة الغربيون يدركون تماما أن تدخلا عسكريا، قد يعزز في الشرق الأوسط الشعور بأن الأمر يتعلّق بحرب صليبية جديدة. لذلك حرصوا على موافقة الدول العربية، مع امتناع الجزائر وسوريا عن الموافقة.
مضمون قرار مجلس الأمن فيه بعض الغموض، إذ لا يحدد الإطار السياسي والخطط. بل يحدد ضرورة حماية المدنيين، ويستبعد منظور نشر قوات احتلال بريّة، ولا ينصّ على الإطاحة بنظام العقيد. وفي الواقع يبدو أنه تمّ بهذا الصدد تجاوز الخط الأحمر، بحيث أن متابعة القصف تسمح بالتفكير في أن الهدف قد أصبح الإطاحة بالقذافي.
لقد تمّ إنقاذ سكان بنغازي، وهذا إحدى فضائل التدخّل العسكري. لكن كان تحقيق ذلك الهدف يقتضي توقف عمليات القصف التي استمرّت بكثافة. ولعله قد حان الوقت للتفكير في مخرج من الأزمة، حيث لا ينبغي التوهّم، فهناك أسباب عديدة تدفع للاعتقاد بأن متابعة التدخّل العسكري المباشر، قد تؤدي إلى نفس المخاطر التي عرفها العراق وأفغانستان.
وينبغي أوّلا التأكيد على أن عمليات القصف، بتأييد أو عدم تأييد الأمم المتحدة، لن تساعد على إقامة الديمقراطية. فهذه نتاج مسار طويل لن تفرضه أيّة قوّة خارجية، بدلا من الشعوب المعنيّة. وطرد القذافي بمتابعة التدخل العسكري، قد يعني تقسيم البلاد. والحجّة القائلة بأنه لم يكن من الممكن ترك قوات القذافي تقوم بأعمالها القذرة، ربما كانت مقبولة أكثر لو لم تكن المجموعة الدولية قد مارست انتقائية كبيرة في تدخلاتها. ومما يثير الدهشة أن أولئك الذين يقومون اليوم بالتدخّل، لم يتصرّفوا بنفس الطريقة عندما هددت إسرائيل المدنيين في لبنان وغزّة.
ثمّ لا يعود لقوى خارجية أن تختار قادة ليبيا بدلا من الليبيين أنفسهم. ونظام يفرضه الخارج يتم التشكيك في شرعيته، وخاصّة إذا فرضته القوى الغربية. ومما يزيد خطورة الأمر، واقع أن الحلف الأطلسي هو الذي أصبح يتولّى قيادة العمليات العسكرية في ليبيا. وقد قيل لنا إن نقل القيادة للحلف الأطلسي أرادها الرئيس أوباما، الذي يخشى أكثر ما يخشى دخول أميركا في حرب جديدة في العالم الإسلامي. لكن إذا كان الحلف مجرّد أداة في يد الولايات المتحدة، فالنتيجة واحدة. بل ويمكن أن يبدو هذا الحلف مرّة أخرى بمثابة اليد الضاربة للقوى الغربية الأكثر ميلا للتدخّل، ثمّ إنه لا يمتلك في الواقع أي تكليف دولي لقيادة العمليات العسكرية الجارية.
إنّه من الملزم والضروري، اعتبارا من اليوم وبأقصى سرعة ممكنة، الانتقال إلى الخطوة السياسية التالية، وأن تتولّى السياسة موقع القيادة، عبر وقف عمليات القصف وفتح أفق المفاوضات. هذا يعني أن جميع الأطراف الداخلة في النزاع، وبصيغ يتم تحديدها لاحقا، سيكون عليها أن تلتقي لتعطي للفترة الانتقالية أكبر قدر ممكن من الشرعية. يمكن للجامعة العربية أن تقوم بدور الوساطة واتخاذ المبادرات، في اتجاه الوصول إلى مثل هذا المخرج.