هل تتبخر النشوة السياسية العارمة التي بعثها في مصر ما بات يطلق عليه «ربيع الثورة العربية»؟
أجل.. لقد استرد الشعب المصري حريته من خلال ثورة الشارع التي أطاحت برأس النظام الاستبدادي، مما أتاح انتقال مصر إلى عهد جديد يوفر مناخاً لتغيير سياسي جذري وشامل صوب الديمقراطية. ولكن هل يتطور هذا التغيير السياسي ويصمد ويترسخ، دون تغيير اقتصادي للتغلب على الأوضاع التي أدت أصلا إلى تفجير الثورة الشعبية؟
إن مشكلة الثورات الشعبية هي أنها تحتاج إلى زمن قد يطول، للانتقال من مرحلة الانتصار السياسي إلى مرحلة البناء الاقتصادي وما يسبقه من إجراءات وتدابير.
والسؤال الإلحاحي الذي يبرز في هذا السياق هو: هل تتحلى الفئات الشعبية بالانتظار والصبر؟
إن القضايا الأساسية التي تمس المعيشة اليومية لهذه الفئات ـ الغلاء والجوع والبطالة المتفشية ـ هي التي أدت تراكماتها على مدى 3 عقود زمنية، إلى ثورة الملايين. وإذن، فإن المعضلة العظمى التي تواجه العهد الجديد، هي أن الجماهير تتصور أن حظوظها ستتغير ما بين يوم وليلة.
إن النجاح السياسي للثورات الشعبية هو نفسه الذي قد يقودها إلى فشل، بعد أن تشرع في معالجة حالة الإفلاس الاقتصادي التي ورثتها عن العهد المُباد. ومما يضاعف من حدة هذا المأزق الخطير، أن السلطة الجديدة تجد نفسها في مواجهة تيار يتعاظم يومياً من المطالبات الشعبية.
في مثل هذا الظرف العصيب، تحتاج حكومات ما بعد الانتصار الثوري إلى مساعدات خارجية جادة لمرحلة مؤقتة، ريثما تُثمر خططها وتدابيرها في الإصلاح الاقتصادي لتحسين الأوضاع. ولكن هل تأتي مثل هذه المساعدات؟ وهل تكون بالقدر الكافي؟ وهل تكون دون شروط تمس السيادة على حركة الاقتصاد الوطني؟
بالنسبة للحالة المصرية، أعلن البنك الدولي مؤخرا أنه على استعداد لتوفير 3 مليارات دولار لتعويض مصر عن الخسارة التي تكبدتها في قطاع السياحة بسبب أحداث الثورة. وفي قمة الدول الصناعية الكبرى المعروفة باسم «مجموعة الثماني»، وعد رئيس الولايات المتحدة بتزويد مصر بعدة مليارات من الدولارات لتمويل مشروعات تنموية، كما أن رئيس فرنسا تقدم نيابة عن الاتحاد الأوروبي، بوعد مماثل.
لكن السجل التاريخي لدول الغرب ومؤسساته المالية، يفيدنا بأن مثل هذه الوعود تبقى مجرد وعود.
ولنعد إلى الذاكرة وما تلقته مصر من وعود بمساعدات تنموية، عندما وافقت على إبرام معاهدة السلام مع إسرائيل، وما تلقته السلطة الفلسطينية من وعود مماثلة صاحبت إبرامها اتفاق أوسلو، وما التزم به الغرب من تمويل يربو على 5 مليارات دولار لإعادة تعمير قطاع غزة، بعد الحرب التدميرية التي شنتها إسرائيل على القطاع. لقد بقيت كلها في الغالب حبراً على ورق مصقول.
صفوة القول هي أن مصر الثورة بحاجة إلى دعم مالي سريع وبقدر كافٍ. وإذ تُماطل حكومات الغرب في التجاوب، فإنها تهدف إلى دفع نظام الحُكم المصري القائم صوب صندوق النقد الدولي، الذي يقدم قروضاً ضئيلة مصحوبة بشروط قاسية.
مغزى هذه الشروط هو إخضاع الاقتصاد المصري لنظام اقتصاد السوق الحُر، على نحو يسلب الدولة سيادتها على حركة الاقتصاد وتوجهاته. وعلى هذا المنوال تعمل إدارة الصندوق على تفكيك القطاع العام، عبر برنامج لخصخصة الشركات والمؤسسات المفتاحية التابعة لهذا القطاع، لتنتقل ملكيتها إلى أصحاب رؤوس الأموال في القطاع الخاص.. وبذلك تخسر الدولة بقدر ما تربح شريحة صغيرة من رجال الأعمال.
هذا ما جرى في عهد مبارك، مما أدى إلى تركيز نحو 90% من الثروة القومية في أيدي أفراد يمثلون أقل من 1% من السكان، وهو الوضع الذي أدى في الأصل إلى تفجير ثورة الشارع.
يقول البروفيسور رشيد الخالدي، أستاذ الدراسات العربية في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، إنه يعتقد أن ثورات الربيع العربي ستنتهي إلى فشل، إذا لم تتمكن من تقديم عدالة اجتماعية ونمو اقتصادي سريع، سيكون ضروريا لتوفير فرص متساوية وتعليم نوعي ووظائف مجزية وإسكان محترم.
على هذا الأساس يبقى سؤال: هل تحظى مصر بالحصول على ما تحتاج إليه من دعم اقتصادي سريع وكافٍ من مصادر عربية؟
الإجابة على هذا السؤال، سواء بالإيجاب أو السلب، هي التي ستقرر طبيعة توجه السياسة الخارجية لمصر المستقبل، على الصعيد العربي.