من الواضح أن موسكو تتعامل مع ما يجري في سوريا بشكل أكثر حدة وصراحة ووضوحا، ولم نلاحظ أية ازدواجية في التصريحات الرسمية الصادرة من موسكو حول سوريا، بعكس ما كان في التعامل مع الأحداث في ليبيا في بدايتها، من تباين نسبي بين تصريحات الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف ورئيس الوزراء فلاديمير بوتين، هذه الازدواجية التي يرى الكثيرون أنها مقصودة ومتفق عليها، وأنها تحدث ارتباكا وتباينا في آراء الآخرين تجاه الموقف الروسي، نظرا لأهمية الشخصين ميدفيديف وبوتين كرأسين للسلطة. أما بالنسبة لسوريا فلم نر هذه الازدواجية، ولم نسمع تصريحات ملتوية تحتمل أية تأويلات، وفي الوقت الذي لم يعارض فيه الرئيس ميدفيديف العقوبات على ليبيا، سمعناه منذ أيام يقول إن روسيا لن تؤيد إقدام مجلس الأمن الدولي على إصدار قرار حول سوريا، بل زاد ميدفيديف على ذلك بأن نسب الموقف له شخصيا قائلا: «لن أؤيد هكذا قرار حول سوريا، حتى إذا طلب أصدقائي مني ذلك».

وقد انتقد البعض هذا التصريح من الرئيس ميدفيديف، لأنها أول مرة ينسب فيها موقفا رسميا للدولة إليه شخصيا، وإن كان البعض الآخر تفهم مدى أهمية وحيوية الموقف بالنسبة لروسيا، هذه الأهمية التي عكستها تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أكثر من موقف، حيث دعا صراحة إلى قطع دابر كافة المحاولات لتغيير النظام في سوريا، وقال إنه يرى أن «محاولات زعزعة استقرار سوريا، وهي دولة محورية في منطقتها، ستؤدي إلى عواقب كارثية»، مشددا على ضرورة أن يرى المجتمع الدولي حقيقة ما يجري في سوريا، بما فيه «محاولات البعض لتغيير النظام». وقال لافروف إن السلطات في سوريا كانت قد أقدمت على خطوات في الاتجاه نحو الإصلاحات الفعلية، مثل إعلان العفو عن المعتقلين السياسيين واقتراح تعديل الدستور، ولكن على ما يبدو فإن هناك من لا يريد لهذه الإصلاحات أن تبدأ. ودعا لافروف إلى ضرورة أن تستجيب المعارضة السورية لما تقترحه وتفعله السلطة، وحذر جماعات المعارضة من الاستمرار في رفض كل ما تقترحه السلطات في سوريا، معتبرا ذلك موقفا غير مسؤول وستكون له عواقب وخيمة.

وفي اجتماع قمة الثمانية الأخير في مدينة دوفيل الفرنسية، واجهت روسيا ضغوطا شديدة أمام محاولات القادة الغربيين اتخاذ قرارات أو إصدار بيان عن القمة يدين سوريا، ورفض الرئيس الروسي ميدفيديف في القمة أية دعوات للتصعيد الدولي ضد سوريا، حتى أن بعض المصادر نقل أن واشنطن وباريس عرضتا على موسكو تولي دور الوساطة في ليبيا بين القذافي والمعارضة، مقابل تغاضيها عن قرارات أخرى ضد سوريا، لكن موسكو رفضت ذلك بشدة، الأمر الذي وصفه بعض الصحف الغربية قائلة إن «روسيا تضع دائرة حمراء حول سوريا».

البعض يذهب في تفسير الموقف الروسي الحازم تجاه ما يحدث في سوريا، إلى المصالح الاستراتيجية بين البلدين، مشيرين إلى وجود القاعدة البحرية الوحيدة لروسيا خارج أراضيها في ميناء طرطوس السوري، ومشيرين إلى التسليح الروسي للجيش السوري. وقد تكون لهذا أهمية بالفعل، لكنه ليس كل شيء، ولا هو الرئيسي في العلاقات بين روسيا وسوريا، فالقاعدة البحرية في طرطوس شبه متجمدة لا تعمل منذ سنوات، ولا توجد فيها سفن روسية كبيرة، والتسليح العسكري الروسي للجيش السوري لا يمثل أية نسبة في صادرات روسيا العسكرية، بالمقارنة مع أية دولة أخرى. الواقع الاستراتيجي كما يصفه الخبراء الروس، يقول إن سوريا تشكل بالنسبة لروسيا مركز الفاعلية الرئيسي في منطقة الشرق الأوسط، وهذه الفاعلية تدعمها في نفس الوقت العلاقات بين إيران وسوريا، وهذان البلدان معا بحكم علاقاتهما الاستراتيجية الوطيدة بموسكو، يمثلان معا ذراع روسيا الطويلة في الشرق الأوسط، هذه الذراع التي تمتد أصابعها في تشكيلات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، ولو سقطت سوريا سينقطع هذا الذراع، ولن تكفي إيران وحدها، بل ربما تصبح في حد ذاتها عائقا للفاعلية الروسية في الشرق الأوسط، بحكم علاقاتها المضطربة بمعظم دول المنطقة.

والحقيقة أنه ما كانت إسرائيل لتهتم بروسيا وتستجيب للعديد من طلباتها الهامة وتحترم مصالحها في مواقف عديدة، لولا التواجد الفعال والاستراتيجي لروسيا في كل من إيران وسوريا ولدى فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية. وقد شاهدنا تطور العلاقات بين موسكو وتل أبيب بشكل واضح طيلة الأعوام القليلة الماضية، للدرجة التي جعلت وزير الخارجية الإسرائيلي والسوفييتي الأصل أفيغدور ليبرمان، يهدد واشنطن في تصريحات مباشرة بأن إسرائيل ستسعى بجدية لشراكة استراتيجية بديلة مع روسيا، الأمر الذي جعل بعض الصحف الأميركية مثل واشنطن بوست، يصف ليبرمان بأنه «عميل كي جي بي» السابق وممثل المصالح الروسية في إسرائيل.

وهناك قاعدة مسلم بها دوليا، وهي أن معيار أهمية أية دولة كبرى وفاعليتها، هو مقدار تواجدها في أهم المناطق الاستراتيجية والحيوية في العالم، ولا يختلف اثنان على أن منطقة الشرق الأوسط على رأس هذه المناطق الحيوية وأهمها على الإطلاق، وهي بتاريخها الطويل، ساحة صراع الدول العظمى، وأيضا ساحة صعود وهبوط هذه الدول. ولو خرجت روسيا من هذه المنطقة، سيصعب عليها أن تستعيد دورها الفعال وتأثيرها الحيوي على الساحة الدولية، وسوريا هي المحور الرئيسي في هذا السؤال الآن.