في تسعينات القرن الماضي، أطلق أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد الأميركية «جوزيف سي ناي»، ما يسمى بنظرية القوة الناعمة للدولة. وتعني القوة الناعمة مجموعة من العوامل التي تحقق أهداف الدولة، دون اللجوء إلى استخدام القوة الصلبة ممثلة بالقوة العسكرية بشتى أبعادها ومجالاتها. وعوامل القوة الناعمة التي قصدها «ناي»، هي مستوى التأثير الدبلوماسي الفعال، والقوة الاقتصادية والتكنولوجية ومنظومة القيم الجاذبة للآخرين، فضلاً عن منظومة إعلامية لها وزن في ميادين الإعلام العالمي، على اعتبار أن عالم ما بعد الحرب الباردة لم يعد عالم القوة الصلبة.
حيث غياب الند الحقيقي ممثلا بالاتحاد السوفييتي السابق. وبعد أحداث سبتمبر 2001، وبروز ظاهرة الإرهاب الدولي، انتقدت بشدة نظرية القوة الناعمة، على اعتبار أنها لا تستطيع أن تكافح إرهاب منظمات عابرة للقارات، وليست لها هياكل محددة، وتتخفى بين الدول والشعوب، في إشارة إلى تنظيم القاعدة. والحقيقة أن هذا النقد مبرر من الناحية المنطقية، فلجأ «ناي» إلى تطوير نظريته في القوة الناعمة، وتوصل إلى نظرية القوة الذكية، وهي تعني المزج بين القوة الناعمة والقوة الصلبة، ضمن توافق زمني وعملياتي ممنهج، من أجل توليد أكبر قدر ممكن من التأثير الدولي، لتحقيق الأهداف القومية للدولة ضمن ظرف دولي معين.
ويمثل النموذج الليبي اليوم مسرحاً حياً لاستخدام القوة الذكية، فالقوة العسكرية (الصلبة) لحلف الناتو، تعمل على قدم وساق لتحطيم الآلة العسكرية الليبية، والقوة الناعمة ممثلة بالعقوبات الاقتصادية على ليبيا والدبلوماسية الدولية التي عملت على نزع شرعية نظام القذافي وعزله عن النظام الدولي، تعمل هي الأخرى بتوافق عملياتي وزمني ممنهج ومدروس مع القوة الصلبة، لتصنع القوة الذكية من قبل أعضاء حلف الناتو. وبسبب التغيرات التي يشهدها العالم في مفاهيم القوة ووسائلها، باتت الدول في سباق مشروع من أجل تحقيق مكانة دولية مرموقة، ضمن البنية الهيكلية للنظام الدولي عبر اكتساب مقومات القوة الذكية. ونحن في دولة الإمارات لم تغب فكرة القوة الذكية عن الخارطة الإدراكية لقيادتنا الحكيمة في ظل مسيرة التنمية الشاملة والمستدامة التي أرسى ركائزها القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وأكمل هذه المسيرة بناة قوتنا ونهضتنا في صنع القوة الذكية، جيل قيادي يعمل ليل نهار من أجل رفعة وطننا الغالي وحمايته من الأخطار والتحديات.
فعلى مستوى القوة الناعمة، يبرز أمامنا إنجازان استراتيجيان، سيعملان بكل تأكيد على إحداث نقلة استراتيجية في مكانة الإمارات الدولية، ولا نبالغ بأنها ستكون مرحلة مفصلية في تاريخ الإمارات المعاصر، ألا وهما إنتاج الطاقة النووية السلمية لتوليد الطاقة الكهربائية عام 2017، وامتلاك الإمارات لمنظومة برامج الأقمار الصناعية، لأغراض الاتصالات والبحث العلمي والرصد الجوي. فالطاقة النووية ستدعم اقتصادنا الوطني، وسيوفر لنا إنتاج الطاقة النووية كميات هائلة من البترول الذي يصرف على إنتاج الطاقة الكهربائية التي تنتجها المحطات الكهربائية العادية.
وفي مجال الأقمار الصناعية، أطلقت الإمارات القمر الصناعي «واي وان ايه» لخدمات البث الإعلامي والاتصالات في إبريل 2011، ليقدم هذا القمر خدماته لخمس وثمانين دولة، وليضيف هذا القطاع بُعداً اقتصادياً وتكنولوجياً جديداً للإمارات. كما سيدعم برنامج الأقمار الصناعية منظومة الاتصالات الوطنية، ويرسم خيارات جديدة للبحث العلمي، سواء في الفضاء الخارجي أو على مستوى الكرة الأرضية.
وفي مجال الاقتصاد، تبرز أمامنا منظومة فكرية متكاملة في الاقتصاد والتنمية، إنها منظومة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، هذه المنظومة التي لا تعرف مستحيلاً إلا وطوّعته لبناء الوطن بما يدعم قاعدتنا الاقتصادية، فالإمارات اليوم قبلة المستثمرين ورؤوس الأموال، بسبب نجاحنا في بناء المناخ المناسب للاستثمار الآمن والمستقر، وبات اقتصادنا يحدد بدقة مسارات منظومة الاقتصاد في الشرق الأوسط، ويؤثر مباشرة في الاقتصاد العالمي. وكل ذلك يقيناً من سموه بأن القاعدة الاقتصادية المتينة، هي القاعدة التي تنطلق منها كل بنى المجتمع نحو التقدم والتنمية.
أما على مستوى القوة الصلبة فيبرز أمامنا الفكر الاستراتيجي للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد، ليحاكي هذا الفكر بدقة متناهية متطلبات أمننا القومي في أدق مكوناته، وليختصر حركة الزمن والتكنولوجيا معاً، عبر صياغة عقيدة جديدة لقوتنا الجوية الباسلة، تعتمد على سرعة فائقة في حماية سماء الوطن، من خلال تحقيق عنصر المفاجأة للعدو بالاعتماد على تكنولوجيا فائقة الدقة، تعتمد على دعم لوجستي من الأقمار الصناعية، ونظم متطورة في القيادة والسيطرة والتحكم.
هذا البناء لمكونات القوة الذكية للإمارات، لم يكن بمعزل عن سياسة خارجية رصينة تقف خلفها قيادة شابة ممثلة بسمو الشيخ عبد الله بن زايد، تلك القيادة التي أدركت مبكراً أنها يجب أن تواكب سرعة النمو والتقدم في بلادنا، فالإمارات اليوم تمثل رقماً مهماً في أي معادلة شرق أوسطية، كما أصبحت بفضل فكر يربط الماضي بالحاضر ويتنبأ بدقة للمستقبل، ثقلاً استراتيجياً في المحافل الدولية والإقليمية، من خلال سياسات تنسجم تماماً مع متطلبات المجتمع الدولي وقواعد القانون الدولي العام.
فالسياسة الخارجية الإماراتية، ورغم تعقيدات القضايا الدولية والإقليمية المعاصرة، فهي على درجة عالية من العقلانية والرشاد، بحيث أصبحنا نلمس أن سياستنا واقتصادنا وقوتنا العسكرية ومجتمعنا، يعملون كفريق عمل واحد ضمن روحية الفريق الجماعي. هذا الفريق الذي يقوده رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، فهو ربان السفينة وحادي الركب في مسيرة التنمية الشاملة، تحقيقا لرؤية الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله.
علينا أن نعي بدقة وباستمرار، دون أن تتغلغل إلينا ثقافة الغفلة أو التهاون، أهمية التفافنا حول قيادتنا الحكيمة وتعزيز تفاعلنا معها، حتى نكون خير سند لخير خلف من خير سلف.