في ظل الحراكات الجارية في العالم العربي، والتحولات الهائلة التي جرت وتجري في بعض البلدان، يلحظ المراقب قصور وفاعلية حضور الأحزاب التقليدية وغير التقليدية العربية، المحسوبة على صفوف المعارضة، وخارج المعارضة، وتخلف تلك الأحزاب عن حركة الناس والشارع الشعبي العربي، وعدم قدرتها على تحريك الشارع وقيادته نحو التغيير والإصلاح، وعجزها عن المبادرة والنزول بالناس إلى الميدان بشكل كبير، وبزخم مؤثر يتجاوز نزول بضع مئات من أعضاء تلك الأحزاب أو أنصارها كما جرت العادة. كما يمكن للمراقب والمتابع، أن يسجل الكم الكبير من الملاحظات على مسار تلك الأحزاب، وعلى أوضاعها الداخلية، والأمراض التي ابتليت بها، وترهل قياداتها وتشابهها بشكل كبير مع الأحزاب الحاكمة، وعدم تبنيها لبرامج واضحة للإصلاح والابتعاد عن جيل الشباب، الحامل الأساسي والمحرك لأي تغيير محتمل، فضلاً عن صراعاتها الداخلية التي أوجعتها على الدوام وقزمت أداءها، ودفعتها نحو التكلس والتقوقع في معظم الأحيان، لتصبح بناها ومؤسساتها التنظيمية بعيدة عن الديمقراطية الحقيقية، في تبادل المواقع القيادية والهيئات التنظيمية.

وقد دفعت تلك الأزمات العديد من «أحزاب المعارضة» و«أحزاب اللامعارضة» العربية، إلى الانشقاقات والتناسل الهندسي (كالفطريات)، مع سيادة الاستبداد الداخلي في بناها وفي شرايين حياتها وسيرتها، وفي مسار وآليات اتخاذ القرار فيها، على أيدي قيادة جعلت من الحزب إمارة محكمة الإغلاق، يجتمع فيها الناس حول شخص واحد، يأمرهم وينهاهم بما يشاء وبما يجب، وليس لهم إلا أن يسمعوا ويطيعوا ويلتزموا بأمره، عبر سنوات من التسيير الفردي، والهيمنة الشخصية مع مجموعة ضيقة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وهو ما أضعف حضورها وتأثيرها في الشارع وبين الناس، وحولها إلى أحزاب متواضعة، أو إلى أحزاب «ديكور ديمقراطي» في حضرة النظام السياسي الرسمي في بلدانها، في أحسن الأحوال. لكن في المقابل، لا يمكن إلا لجاحد ومتحامل، اتخاذ طريق الإنكار الكامل والتام، رغم كل الملاحظات الجوهرية والأساسية، لدور وفعل وتأثير القوى والأحزاب المختلفة والنخب السياسية، التي هيأت وعملت على شحذ الهمم، ومراكمة عملية تعبئة الشارع والناس خلال سنوات طويلة من عملها ووجودها على الأرض، وعلى رفع منسوب الاحتقان في وجه الأنظمة الاستبدادية. من هنا، فإن الحديث عن عفوية الزلزال الشعبي العربي المتواصل في العديد من البلدان العربية، وخروج «المارد الشعبي» من قمقمه، أمر صحيح جداً من حيث المعنى العام، لكنه لا يعني البتة تغييب أدوار جميع تلك الأحزاب والقوى والنخب تغييباً كلياً، فهي وإن كانت في أغلبها تغط في سبات عميق بفعل القمع من جهة والترهل من جهة ثانية، إلا أن قسماً منها كان يعيش حالة من الحراك المتواصل في التأسيس لنهوض الشارع العربي. ولا ننسى في الوقت نفسه، أن معظم أحزاب المعارضة العربية بكافة تلاوينها الفكرية والأيديولوجية، تعرضت بشكل عام لقمع شديد، ولحملات تنكيل متواصلة في مختلف بلدانها، ووصلت الأمور إلى حظر نشاط وعمل غالبيتها، ومنعها من العمل العلني.

وبالطبع، يفترض في المتابع أن يلحظ الفوارق والتخوم، وأن يميز في القراءة والمتابعة بين أحزاب عربية معارضة اشتقت خيارات العمل الوطني الديمقراطي في بلدانها، وفق برامج تغيير إصلاحية على أساس السعي نحو المشاركة وخوض معارك الانتخابية في النقابات والجمعيات والمؤسسات وحتى البرلمانات، وبين أحزاب عربية معارضة أخرى اختارت خطاباَ سياسياً وحتى فكرياً متطرفاً، أوصلها إلى حدود المواجهات المسلحة مع أجهزة الأمن والقوات المسلحة في بلدانها، فضاعت مطالبها الديمقراطية المحقة في مجرى سياسات التطرف وخطاب التصادم الهدام، في بيئة عربية رسمية متخمة بأنظمة القمع وأجهزة الأمن المستنفرة على الدوام.

إن تخلف الأحزاب العربية المعارضة عن حركة الشارع العربي بشكل عام، نتيجة البطش والقمع والتنكيل الذي همشها وهمش دورها في مختلف بلداننا العربية، ونتيجة حياتها الداخلية التي عاشتها في أجواء غير صحية تفتقر للحد الأدنى من الديمقراطية الداخلية، دفع نحو صعود التيارات الشابة التي بدأت الآن تبلور نفسها بنفسها، ضمن إطارات وتجمعات مختلفة.

إن على الأحزاب العربية التي تدعي وتقدم نفسها باعتبارها رافعة لحركة الناس ولأهداف الشعب، أن تعيد الاعتبار لذاتها، وأن تغادر أسباب تخلفها الذاتية وغير الذاتية. كما عليها أن تدرك أن من يريد التواؤم مع حركة الشارع عليه أن يكون في قلبها، وأن لا يعيش حياة في جزيرة نائية، أو نجماً طارقاً في السماء، بل يفترض في هذه الأحزاب أن تعيد الاعتبار لذاتها حتى تكون وليدة التاريخ والجغرافيا، تعيش أطوار مجتمعاتها، وتعيش على أرض الواقع الذي تتوالد فيه كل يوم بنى سياسية وفكرية يتقدمها جيل الشباب.