مضى ربع قرن على كارثة شيرنوبل النووية التي انفجر فيها المفاعل بتاريخ 28 ابريل 1986، تلك المنطقة التي تبعد ثمانين كيلومترا عن كييف العاصمة الأوكرانية. وامتد إشعاع الكارثة النووي حينها إلى معظم نصف الكرة الأرضية الشمالي، في واحدة من أسوأ كوارث الحوادث النووية في تاريخ البشرية. وتقدم هذه الكارثة تجربة غنية بالدروس. إذ إن من دروس ما بعد هذه الكارثة النووية هو ما ستتعلمه الأجيال عن مخاطر الإشعاع النووي الذي ما زال يتسرب، ويقدر العلماء أن التسرب الإشعاعي سيتواصل لعشرات آلاف السنين. فرغم ما تم من إزالة لجوانب الدمار في مفاعل شيرنوبل والحد من تسرب إشعاعاته، إلا أن هذا التسرب ما زال قائما. وسئل مدير محطة مفاعل شيرنوبل السابق متى يمكن للمنطقة المحيطة ان تكون آهلة بالسكان بشكل آمن؟ فأجاب إن ذلك سيكون ممكنا بتقديره على الأقل بعد عشرين ألف سنة.
إن الأموال التي يحتاجها حاليا التنظيف والصيانة لهذا المفاعل المغلق بعد الكارثة التي تعرض لها، باهظة ويصعب تأمينها. فيكفي أن نعلم أن الحكومة الأوكرانية استضافت في 19 ابريل الماضي مؤتمرا دوليا للمانحين بالعاصمة كييف لغرض جمع حوالي مليار دولار لبناء سقف آخر بدلا من السقف الأسمنتي الذي بني قبل ربع قرن والذي لم يستطع أن يوقف الإشعاع بل وأصيب بتشققات وبات مهددا بان يتهاوى مما سيرفع تسرب الإشعاعات من المفاعل إلى معدلات اكبر. ولذلك يتطلب الأمر بناء السقف الجديد لمفاعل شيرنوبل لمنع تسرب الإشعاعات النووية منه. ولم يستطع مؤتمر المانحين أن يجمع ثلث المبلغ المطلوب، وما زالت كييف تطالب بمزيد من المساعدات. إن محيط مفاعل شيرنوبل الذي يمتد على مدى نصف قطر قدره 30 كيلومترا ما زال يعتبر منطقة خطرة ومعدلات الإشعاع فيها فوق أي مستويات عادية، وما زالت شيرنوبل مهجورة ويكتب عليها عبارات بان «لا عودة إلى المنطقة في المستقبل المنظور» واليوم ليس باستطاعة أوكرانيا ولا الأسرة الدولية أن تدير ظهرها للآثار المدمرة لكارثة شيرنوبل التي سيظل جرحها العميق يهدد البشر والبيئة لأجيال متعاقبة.
وكما هو معروف أن الإشعاعات المتسربة بفعل كارثة شيرنوبل تزيد من مخاطر الإصابة بمرض السرطان في أوكرانيا والدول المجاورة، وبحسب التقديرات العلمية فان مخاطر الإصابة بالسرطان تعتمد على كمية الإشعاع الذي يصل للمجتمعات في المناطق المجاورة وكذلك يعتمد حجم الخطر على أعمار الأشخاص في تلك المجتمعات.
وطرق قياس هذه المخاطر تختلف من بلد لاخر ومعايير القياس لتسرب الإشعاع ومخاطره في روسيا تختلف عن أوكرانيا أو روسيا البيضاء. كما أن الوكالة الدولية لأبحاث السرطان قدرت أن تسربات إشعاع كارثة شيرنوبل أصابت 16000 شخص بالسرطان وقضوا نحبهم. ويقدر اتحاد علماء السرطان أن يصل حجم الوفيات من آثار الإشعاع في دول أخرى بآسيا وأفريقيا والأميركتين إلى حوالي 27000 نسمة.
إن ملايين من المواطنين الروس والأوكرانيين ومن روسيا البيضاء القاطنين في المنطقة التي تأثرت بكارثة شيرنوبل تلقوا تعويضات مالية إلا أن هذا جعل أحوالهم أسوأ، ففي تقرير منظمة الصحة العالمية السنوي لأعمال 2005 يشير التقرير الى أن برنامج التعويضات المالية للمتضررين من كارثة شيرنوبل خلق لدى المواطنين هناك ثقافة الاتكالية والحرص على الظهور كضحايا بدلا من الإصرار على إبراز أنفسهم كناجين من الكارثة ومواصلة حياتهم الطبيعية. إن منظمة الصحة العالمية دشنت برنامجا تعليميا قبل عامين بتكلفة مليونين ونصف المليون دولار لتخليص المواطنين في هذه الدول من الخوف من الإشعاعات النووية. وبعد ربع قرن على كارثة شيرنوبل نجد مثل هذا البرنامج تجربة مهمة عندما تتكرر الكوارث كما هو الحال بما حصل لمفاعل فوكوشيما النووي في اليابان حيث الحكومة بدأت في مناقشة برنامج تعويضات للمتضررين. وهنا تكمن أهمية منع تكرار خلق ثقافة اتكالية كالتي حصلت في أوكرانيا وروسيا البيضاء وأجزاءً من روسيا الاتحادية. كما يؤكد برنامج الأمم المتحدة للتنمية والتعافي من كارثة شيرنوبل على أهمية مقاومة روح الاتكالية لدي المواطنين في المناطق التي تعرضت للكارثة من خلال رفع القيود على الاستثمار وتشجيع الحركة التجارية في هذه الدول.
بعد كارثة شيرنوبل كانت هناك تعهدات بعدم تكرار مثل هذه الكارثة، واليوم نرى كيف تخلي الحكومة اليابانية حوالي ثمانين ألف مواطن من مساكنهم، قد لا يعودون إليها مطلقا بسبب ما حدث بمفاعل فوكوشيما في اليابان. وانه في الوقت الذي تعلو الأصوات في أوروبا لتفكيك المفاعلات النووية وتعلن ألمانيا عزمها على إيقاف سبعة عشر مفاعلا نوويا واستبدالها بمشاريع للطاقة المتجددة من مصادر مثل المياه والرياح والطاقة الشمسية، علينا أن نستخلص الدروس ونفكر أكثر من مرة وندرس بعناية مستقبل مشاريع المفاعلات النووية المزمع إقامتها في عدد من الدول على ضفتي الخليج العربي.