حين تتسابق الفضائيات العربية تسابقها المحموم سعياً لاقتناص أكبر عدد ممكن من الجمهور وجذبه لبرامجها، وهو ما يستدعي المزيد من الإعلانات والربح.. تظل المسألة بهذا القدر من المتعارف عليه ولا يدور حولها كثير نقاش، إذ إن أغلب القنوات التلفزيونية ليست جمعيات خيرية في الحقيقة، وإنما هي بشكل أو بآخر مشروع تجاري يخضع لمقاييس الربح والخسارة، كعمود فقري يضمن استمرار القناة أو توقفها. وفي غمرة هذا التسابق الجارف على اصطياد المشاهدين، تخرج بين الحين والآخر برامج تخاطب المشاهد العربي بلسان عربي ولكن بروح أجنبية، وتطل على المشاهدين وتنثر في البيوت الكثير مما هو أبعد من أن يُسمع أو يُقال.
ظاهرة أصبحت مقلقة أكثر مما هي منفرة مزعجة، تلك التي تقوم على استنساخ البرامج الأجنبية بروحها وتفاصيلها وحتى مفرداتها، لتقدم كوجبة عربية. ومصدر القلق منها، فضلاً عن «ثقل دمها » في كثير من الأحيان، أنها خرجت علينا بعباءة الوعظ، وأصبحت كما يروج لها أربابها وأصحابها منبراً للإصلاح الاجتماعي والأسري. يخرج علينا مقدم البرنامج مستضيفاً زوجين، ويبدآن بتشريح تفاصيل العلاقة بينهما في وقفة مع الصراحة والحقيقة، ويخوضان في علاقة كل منها بالآخر وعلاقتهما مع أسرتيهما، والحب والكراهية والحسد والغيرة.. وأشياء أخرى لا تخدم أي غرض إصلاحي أسري، بقدر ما تشبع نهماً مرضياً للاطلاع على أسرار الآخرين والتلذذ باللغو بمشكلاتهم!
ولسنا عند هذه النقطة من المنغلقين المتحجرين الذين يرفضون الآخر وما يأتي منه، بل إن أغلب مجتمعاتنا العربية بلغت مستوى متقدماً في استيعاب الحضارة وهضمها والتعامل مع مكوناتها ومنتجاتها، بما يزيد في رصيدنا الاجتماعي ومقوماتنا النهضوية الحضارية، إلا أننا لا نزال فخورين بأننا أصحاب هوية عربية أصيلة، نحرص كل الحرص على بقاء نبضها حياً بين جوارحنا، ولا نرضى بأن تكون عرضة للمتاجرة والبيع والشراء تحت دعاوى الانفتاح والاستفادة من الآخر.
والقضية هنا لا تتعلق بمفرز حضاري بقدر ما تتعلق بثقافة اجتماعية، فالعالم الغربي له من الخصوصيات وطبيعة التكوين ما يجعل برامج المصارحة الأسرية على الهواء مباشرة، لا تشكل حرجاً اجتماعياً صادماً عند الكثيرين، وإن كنا لا نقبل بذلك إلا أننا نقدر طبيعة نظرتهم إلى الحياة والحرية الشخصية، ولكننا نقدر أيضاً نظرتنا نحن للحياة وفلسفتنا الاجتماعية، ولا نقبل أبداً أن يطل علينا من أبنائنا من يفرض علينا ثقافة تتحدى ثوابتنا الاجتماعية والأسرية والعقائدية، ويزعم أنه يريد الإصلاح!
والعقلاء من كل المجتمعات التي تحترم خصوصيتها وأصالتها وهويتها، يدركون حقيقة أن ثورة الاتصال والمعلومات والتواصل الإعلامي المفتوح على مصاريعه مع المجتمعات الأخرى، ضريبة من ضرائب العولمة الكثيرة التي دفعناها وسندفعها، كما يدركون أن ذلك لا يبرر قبولها من دون «فلترة « والنظر إليها بعيون واعية مفتوحة تختار ما ينسجم مع الثوابت، لا أن تكسر الثوابت لتتشكل كما تريد مفرزات العولمة، لأن هذا التحطيم لن يُخرج إلا مجتمعات مشوهة، لا أدركت مشية الغراب ولا حافظت على مشية الطاووس!!
ويأسف المرء أن يكون بعض البرامج إنما فصلت بالمقاس لتناسب ما يقتضيه تلميع أحد الإعلاميين المغمورين، أو المعروفين الباحثين عن المزيد من الشهرة، أو لاستخدام شهرتهم كطعم يستدرج من خلاله المشاهدون. والتجربة أثبتت في أكثر من مثال أن الجمهور كان أقوى من هذه المصيدة، وخسر الكثير من الممثلين أو الإعلاميين الذين دخلوا هذا المضمار شعبيتهم لدى جمهورهم، وتحملوا تبعات اتهامهم بالتعدي على ثوابت المجتمع.
والبرامج المنسوخة التي تخترق خصوصياتنا، للأسف كثيرة، وبعضها مهما حاولت النظر إليها ببراءة، لن تجد مبرراً لبراءتك معها إلا أن تكون ساذجاً، فما الجرعة الأخلاقية التي تقدم للشباب حين يحشرون في منزل واحد شباباً وفتيات، ويعيشون حياتهم أمام الكاميرات والجمهور يتابعهم لحظة بلحظة في أخص الأماكن، ويرصد حركاتهم وعفويتهم المصطنعة ليصوت لهم، في برامج حية لا تمت لواقعنا بأي صلة؟ وأي رسالة يحملها الجيل لمستقبله حين يرى أن «السوبر ستار » في الحياة، هو أن تكون مطرباً ولو كان صوتك نشازاً «فالنشاز عليك والمكساج علينا » !!
مع احترامنا للفن الراقي وأصحابه المقدرين. ولكننا نخشى أن نكون في هذا الطريق نسير تحت ضغط إحدى قوتين دافعتين أحلاهما مرّ؛ أولاهما أننا واقعون تحت قانون المؤرخ العربي ابن خلدون، حين قال في مقدمته إن «المهزوم دائماً مغرم بتقليد المنتصر »، والنظر إلى ما يقدمه مهما كان، على أنه حضارة ورقي، والنفور من كل ما عندنا على أنه من ركام تخلفنا حتى ولو كانت ثوابتنا، أو أن نكون مدفوعين بقوة أخرى أشد إيلاماً، وهي المؤامرة على مجتمعاتنا بالتفتيت الداخلي بدءاً من أصغر نواته وهي الأسرة، وانطلاقاً من أشد أركانه وهم الشباب.. ولا نتمنى ذلك أبداً، لأن المستخدمين لذلك نربأ بهم أن يكونوا في هذا الفضاء، إلا في أحسن الظن.