نظراً لطبيعته المأساوية، علاوة على الاهتمام الذي حظي به من وسائل الإعلام العالمية، فقد أصبح حادث التسرب النووي من محطة فوكوشيما «دايشي» في اليابان، كارثة تلقي بظلالها في أذهان الكثيرين، بعد إحدى أكثر موجات التسونامي دماراً خلال القرون الحديثة. فقد ألحقت هذه الكارثة العار بقطاع الطاقة النووية برمته، ودفعت بالكثير من الدول إلى الوقف الاختياري بشكل عاجل لأنشطتها النووية، ومطالبة دول أخرى بالتفكيك الكامل للصناعة النووية في العالم.
تعد هذه مفارقة غريبة حقاً. ففي الوقت الذي تسرب النفط من منصة تابعة لشركة «ديبووتر هورايزون» في خليج المكسيك، تم توجيه اللوم إلى ممارسات السلامة التي تتبعها شركة «بريتيش بتروليوم» والشركات المتعاونة معها، لكن ليس لصناعة النفط في مجملها.
لا تعتبر كارثة محطة «دايشي» في فوكوشيما، ممثلاً للصناعة النووية العالمية، ولا يمكن أن تستنسخ في أي مكان آخر. تعد حادثة فوكوشيما تجلياً لظاهرة «البجعة السوداء» الطبيعية، حيث تزامنت ظاهرة تسونامي خطيرة للغاية، مع بعض الأخطاء البشرية التي لا تغتفر، والتي تعد بدورها نتيجة للسياق الياباني المحدد، من حيث شركات الطاقة المنظمة في شكل كارتلات، وتقليد السرية الذي أدى إلى سوء الإبلاغ عن عدد الحوادث السابقة، وثقافة السعي للحصول على أرخص الحلول، وإجراءات مراقبة عفا عليها الزمن.
وكذلك السهو عن المخاطر النظامية المتأصلة. ومن هذا المنطلق، فإن البرنامج النووي الياباني المدني لا يمكن مقارنته مع البرامج النووية الأكثر تقدماً، مثل تلك الموجودة في فرنسا أو الولايات المتحدة. بدلا من توجيه اللوم إلى الصناعة النووية ككل، فإن هذه الكارثة ينبغي أن تسفر عن التساؤل إزاء ممارسات الشركات اليابانية، وعلى وجه التحديد شركة «تيبكو»، وكذلك في البحث عن ممارسات أفضل على مستوى العالم.
لقد أحدث التسونامي بالتأكيد مفاجأة بأبعادها، ومع ذلك فإنه لم يكن بالإمكان التنبؤ بها تماما. فاحتمالية وقوع خطر من هذا القبيل، كان ينبغي أن تدفع مصممي ومشغلي محطة الطاقة لبناء كاسر أمواج عالٍ. وهذا يدل على أن المكوّن النظامي للخطر لم يتم تقييمه بشكل صحيح من قبل المصممين اليابانيين، على الرغم من حقيقة أن الوكالة المسؤولة عن سلامته، وهي وكالة «نيسا» كانت قد حذرت من هذا الخطر في مناسبات عديدة خلال السنوات القليلة الماضية.
لم تُمنح هذه الوكالة الوسائل للعب دورها على أكمل وجه، وهي التي أنشئت في عام 2001، وتعد جزءاً من وزارة الطاقة والتجارة والصناعة اليابانية. استقلالها محدود، ولا تملك الوسائل المناسبة للقيام بدورها بشكل صحيح. وقد أظهر المثال الأميركي أن وكالة تنظيم نووية مستقلة وقوية، هي أمر لا غنى عنه. وقد أدى تعزيز سلطات اللجنة التنظيمية النووية بعد حادثة «ثري مايل ايلاند» عام 1979 في الولايات المتحدة، إلى خفض كبير في معدل وقوع الحوادث الكبرى، من 4.2% سنويا عام 1985 إلى 2.0% فقط عام 2007.
وثمة جانب آخر للموقف في اليابان، يتمثل في عدد المشغلين. وفي فرنسا، يتم تشغيل جميع المفاعلات النووية البالغ عددها 58، تحت سلطة شركة كهرباء فرنسا، وهي خاضعة لإجراءات السلامة. وأي حادث في أحد المفاعلات يستدعي إجراء فحص السلامة في باقي المفاعلات الأخرى من النوع نفسه. أما في اليابان، فيتم تشغيل 54 مفاعلا من قبل 11 مشغلا، ولكل واحد منها إجراءاته الخاصة بالسلامة. والتنسيق بين المشغلين إما أنه غير موجود أو ضعيف جداً، وبالتأكيد لا يرقى إلى مستوى التحدي. وفي الولايات المتحدة، جعل إنشاء معهد مشغلي الطاقة النووية بعد حادث «ثري مايل أيلاند»، من الممكن زيادة معدل توافر محطات الطاقة النووية الأميركية بنسبة 15% خلال 30 عاماً.
علاوة على ذلك، يمكن للمرء أن يشكك على نحو خطير في قوة التمويل والإدارة والنوعية الدائمة لمشغلي المنشآت النووية اليابانية، فقد خسر سهم «تيبكو» أكثر من 75% من قيمته منذ تلك الكارثة. إن عدم توجيه الاهتمام لدورة الاحتراق، وبالتالي المرحلة الحرجة لإعادة المعالجة، تعد مشكلة أخرى في الصناعة النووية اليابانية. وتم تخزين قضبان الوقود المستخدمة داخل أحواض مفاعلات محطة دايشي في فوكوشيما، في انتظار قرار بشأن وجهتها النهائية. وخلال بناء مصنع لإعادة المعالجة في «لاهاي»، أولت فرنسا رعاية لدورة الاحتراق في مجملها.
تنعكس تلك الصعوبات الهيكلية في توافر مجمل محطات الطاقة النووية اليابانية. وخفضت اليابان بشكل مطرد إمكانياتها الإنتاجية من الطاقة النووية، إلى معدل أقل من 60% عام 2009، بالمقارنة مع توافر ما يزيد على 75% في فرنسا و80% في الولايات المتحدة وألمانيا.
ولدى الشركات اليابانية تصور مختلف إزاء الأخطار المحتملة، فقد سبق أن تم توقيع عقوبة مشددة على شركة «تيبكو» في الماضي. وفي عام 2003، أغلقت وكالة «نيسا" 17 محطة تابعة لـ"تيبكو»، بعد ما تبين أن تقارير التفتيش كانت مزورة. وفي عام 2007، تم إيقاف سبعة من مفاعلات محطة «كاشيوازاكي»، والتي تقوم شركة «تيبكو" أيضاً بتشغيلها، وذلك بسبب زلزال تجاوز فرضيات البناء لهذه المحطة. فقد تم السماح بإعادة فتح مفاعلين أكثر حداثة، تابعين لهذا المصنع في وقت لاحق.
وبدلاً من التماس المساعدة من جميع المصادر الممكنة، مثل الحكومة اليابانية والشركات العسكرية الأميركية والأجنبية، التي لديها القدرة على المساعدة في تصحيح الوضع في ذلك الوقت، فضلت «تيبكو» تأخير استدعاء المساعدات الخارجية في ما يبدو، على أمل إعادة فتح المحطة. وسوف يكون من المعقول أن نتصور أن هذا السلوك قد أدى إلى تفاقم الكارثة.
ولهذه الأسباب مجتمعة، فمن الخطأ الإعلان أنه نتيجة لكارثة محطة «دايشي» في فوكوشيما، فإن الحل الوحيد هو التخلي عن الطاقة النووية نهائيا. وبدلا من التشكيك في الصناعة النووية برمتها، يتعين علينا أن نستخلص الدروس الرئيسية من هذه الكارثة. فما هي هذه الدروس؟
لا ينبغي أبداً السماح بأن تعتمد الصناعة النووية على عنصرين أساسيين فقط؛ السلامة والأمن التشغيليان. علاوة على ذلك، ينبغي أن يستند تقييم المخاطر على أفضل وجه ممكن، وخاصة عنصر المخاطر النظامية على الاعتبارات الهندسية.