«دبي في المرتبة الرابعة عالمياً بالسلامة المرورية حسب آخر الإحصائيات، بعد المملكة المتحدة أولاً ثم السويد ثم النرويج..»، هذا ما طالعتنا به صحفنا المحلية قبل أيام، وهو أمر لا نستغربه إذا ما نظرنا إلى خطوات التقدم المتسارعة التي تسير عليها الإمارة نحو التميز العالمي على جميع الصعد، لتسجل في كل ميدان اسماً وفي كل سباق سهماً من الحضور والريادة، كما أنه إنجاز يستحق الإشادة مقارنة بالأسماء الثلاثة التي تنافسها دبي عالمياً، والأسماء الكثيرة التي خلفتها وراءها من دول العالم أجمع. والاعتزاز بمثل هذا الإنجاز ليس حكراً على شرطة دبي ومرورها، وإن كان يحق لهم ذلك بلا شك، فقد بذلوا الكثير من الخطوات المدروسة والدراسات الميدانية الصادقة الناجحة، حتى استطاعوا الوصول إلى ما وصلوا إليه، إلا أننا كجمهور معنيون بأن تكون إماراتنا جميعها، وليس دبي فقط، في قمة السلامة المرورية، فلا حوادث مؤلمة ولا أخطاء في الطرقات، تسفك المزيد من دماء أبناء البلد أو المقيمين على أرضنا.
وما يثلج الصدور حقاً بهذا الشأن، هو أن إحصائيات شرطة دبي تؤكد أنها تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهداف استراتيجيتها المرورية الجديدة، التي كانت أعلنت عنها في مايو الماضي، وضمنتها خطة عشرية تقضي بتخفيض الوفيات المرورية في العام 2020 إلى صفر لكل 100 ألف نسمة من سكان الإمارة، بل أكثر من ذلك ما وعد به اللواء محمد سيف الزفين مدير الإدارة العامة للمرور، عن توقعاته بأن تتمكن إدارته من تحقيق استراتيجيتها المرورية الجديدة في العام 2019، أي قبل عام من الموعد الذي حددته لنفسها. ها هنا لدينا عدة وقفات..
الوقفة الأولى أن هذا الإنجاز الذي حققته شرطة دبي كان نتيجة عمل دؤوب، سهرت عليه الجهات المعنية سنوات لكي تصل به إلى هذه المستويات العالمية العالية، وهي بذلك تكمل صورة التميز التي رسمتها ولا تزال ترسمها دبي لنفسها في جميع المحافل العالمية، وإيماناً بقاعدة أن النجاح لا يتجزأ وأن التميز علامة كاملة لا تقبل الانتقاص منها في أي مجال. والحقيقة أن السلامة المرورية، وإن كانت إنجازاً يتصل مباشرة بإدارات المرور، إلا أنه يتقاسم نجاحه مع هيئة الطرق والمواصلات، والبلدية، وغيرها ممن يتصل بهذا الأمر.
الوقفة الثانية تتصل بالجمهور، المستفيد الأول من بلوغ الدرجات الأولى في السلامة المرورية، فهو المستثمر لهذا التميز أمناً وراحة، ولذلك فإنه مطالب أكثر من الجهات الرسمية بتدعيم هذا النجاح وتعزيزه ليبلغ القمة المرجوة، لأن في ذلك قمة سلامته. فالرعونة على الطرقات مشروع انتحار أو جريمة قتل، مهما حاولنا تبريرها أو خلق الأعذار لها، والتساهل في قواعد المرور باب مُشرَع أمام الحوادث التي قد تكون بسيطة أحياناً أو مميتة في كثير من الأحيان. والغريب الذي لا ينقضي منه العجب، أن بعض السائقين يحتالون على قواعد المرور والسلامة المرورية بجميع أركانها، بدءاً من تجاهل ربط حزام الأمان، إلى ترك الالتزام بالسرعات المحددة، إلى غيرها من المخالفات، ويفرح إن استطاع الهروب من عين الشرطي أو الرادار، ولا يعلم أنه بذلك يحتال على سلامته هو ويتربص بها إيذاناً بقتل نفسه أو إيذائها، وإذا وقع المحذور لا تنفع الأعذار والمخالفات!
الوقفة الثالثة مع الإعلام بكل أطيافه وألوانه، بأن يجعل قضية السلامة المرورية الهاجس الإعلامي اليومي، فالتذكير المستمر المتواصل يرسخ المفاهيم ويعلي من منسوب الثقافة المرورية لدى الجمهور، وأن تكون تلك الحملات الإعلامية المرورية ليست أداءً لواجب يرفع من خلاله العتب، بل وقفة لأزمة ومسؤولية تناط بالجميع وفي كل المناسبات، وأي رسالة أسمى من أن نحافظ على حياة الإنسان ونذكر بأهميتها وعدم المساس بها.
والوقفة الرابعة دعوة لغرس مفهوم رسالة أسبوع المرور، والذي تقوم به شرطة دبي كحرصٍ منها إلى سلامة أبناء الوطن، عبر استحضارها على كامل العام لكي تكون التوعية ثقافة عامة تستفيد منها جميع شرائح المجتمع بكافة أطيافه، بما يعزز ثقافة التميز المروري، والمضي قدماً للوصول إلى النتيجة التي وضعت كهدفٍ نسعى إليه ونصبو إلى تحقيقه. والواقع يثبت أن التوعية تحدث أثرها العميق في المجتمع، وعندما تكون مركزة مدروسة فإنها تحدث القناعة المطلوبة في نفس المتلقي لكي يبادر إلى العمل بها، ولا يمكن ذلك إلا إذا شعر بقربها منه وأهميتها له.
والوقفة الأخيرة مع شبابنا حصراً، وهم الأجدر بأن يصغوا لمثل هذه الإحصائيات والمحاذير، ونقول لهم، إن دماءكم غالية على وطنكم، فلا ترخصوها على الطرقات، وإن الدولة التي بذلت الكثير من أجل تأمين مستوى حياتي راقٍ لأبنائها اقتصادياً وتعليمياً وشتى حاجات الحياة، تتأسف لأن تهدر هذه الإنجازات في لحظات طيش، وتضيع الشجرة عندما يدنو موسم قطف ثمارها.. والعاقل من اعتبر بغيره، والمخدوع من كان عبرة للآخرين.