مع إطلالة هذه المقالة، تدخل دولة الإمارات عامها الخامس على تدشين حملتها الرسمية لمكافحة الاتجار بالبشر.. فكما هو معلوم فإن الإمارات تعد من طلائع الدول العربية التي بادرت بإعداد أول قانون خاص بمكافحة جرائم الاتجار بالبشر، مع أن قانون العقوبات الاتحادي رقم (3) لعام 1983، نص في المادة (346) على تحريم هذا النوع من الأفعال،.

وفي عام 2006 صدر القانون رقم (5) ليكون أداة فاعلة وفعالة لمواجهة جرائم الاتجار بالبشر، حيث تم إنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، والتي باشرت عملها بالتركيز على أربعة محاور رئيسية، تعنى أولاً باستكمال الجانب التشريعي والأطراف القانونية للقانون المشار إليه، ومن ثم الاهتمام بوضع معايير أخلاقية تستهدي بها وسائط الإعلام الثلاثة؛ المقروءة والمسموعة والمرئية.

.. وذلك إدراكاً من اللجنة للدور المحوري الذي يسهم به الإعلام في التعريف بمخاطر جرائم الاتجار بالبشر، والرد على ادعاءات بعض المنظمات الدولية حول ضحايا هذا النوع من الجرائم.. أما المحور الثالث ففيه يتم مساعدة الجهات ذات العلاقة، وتمكينها من اتخاذ مبادرات إيجابية للوقوف ضد تدفقات ضحايا هذه الجرائم.. ونعني بها أجهزة الشرطة والنيابات العامة والجمعيات ذات النفع العام، كجمعية الحقوقيين وجمعية الاجتماعيين ومن في حكمهما.

القارئ للتقرير السنوي للجنة الوطنية، لا يفوته إدراك الجهود الكبيرة التي بذلتها اللجنة عبر القيام بعمل احترافي تمثل في إنشاء أربعة ملاجئ لرعاية النساء والأطفال، يتم فيها توفير أعلى مستويات الرعاية الاجتماعية والخدمات المساندة، ووفق أحدث المعايير الإقليمية والدولية في مجال حماية وإعادة تأهيل الضحايا، اجتماعياً ونفسياً ومهنياً.

. وتضافرت هذه الجهود مع ما تقوم به مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال من ضحايا الاتجار بالبشر، والقيادة العامة لشرطة دبي كشريك استراتيجي.. وكما هو معلوم، فإن جريمة الاتجار بالبشر تعد من الجرائم الاقتصادية والجريمة المنظمة التي تديرها شبكات دولية للإيقاع بالفتيات والأطفال في أوكار الرذيلة، دون علمهم أو بتضليلهم.

ومن جهة أخرى، تعمل اللجنة من خلال محورها الرابع، على بناء شراكات وتبني مبادرات لتتواصل مع المنظمات الإقليمية والدولية الناشطة في ميادين مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، مثل منظمة العمل الدولية (ILO) ومنظمة الهجرة الدولية ومجلس حقوق الإنسان،.

وهي من أهم المنظمات التابعة للأمانة العامة للأمم المتحدة، حيث أمكن الوقوف على أهم المستجدات بشأن الدور الوقائي لحماية المجتمع من تداعيات هذا النوع من الجرائم، ذلك أنها جرائم تحتاج إلى معالجات وتضافر جهود عدة أجهزة، فضلاً عن أهمية تعاون الجمهور من المواطنين والمقيمين.

وتجدر الإشارة إلى أن اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، تمكنت من ضبط 152 ضحية و169 متهماً في 2010، مقابل 43 قضية عام 2009، فيما بلغ عدد القضايا عام 2007 نحو 15 قضية، .

وارتفعت إلى 20 عام 2008، يدخل معظمها تحت مظلة الاستغلال الجنسى أو خارجه، كالإجبار على العمل والسخرة دون سداد الراتب، أو بيع الاطفال.. وهي جرائم دخيلة على مجتمع الإمارات. وهكذا تتحمل الدولة مهام عسيرة كدولة رائدة في الوقاية ومكافحة هذا النوع من الجرائم. ولا شك في أن النجاحات التي تحققت،.

وفي زمن قياسي، تؤكد حرص الجهات المسؤولة على التصدي لهذه الظاهرة الغريبة على مجتمعنا، ليبقى آمناً ومستقراً.. ومن أجل ذلك تبذل الجهود لإجراء تعديل على القانون رقم (51)، ليواكب المتغييرات والمستجدات المحلية والعالمية، فضلاً عن مراعاة الجوانب المتعلقة بانضمام الدولة إلى بروتوكول «باليرمو» لمكافحة الاتجار بالبشر.

. وفي تقديري، ما زالت هنالك مطالبات ومهام أمام اللجنة الوطنية للمضي قدماً في تحقيق أهدافها، لعل من أهما ضرورة إيجاد رقم مجاني موحد، يساعد أي ضحية للإبلاغ الفوري عن الواقعة.. الشيء الآخر، هو الإسراع في استكمال تفعيل آلية تصديق الدولة على عدد من الاتفاقيات الإقليمية والدولية ذات العلاقة، كالقانون المعدل للعمل الجبري، الذي يحمي العمال من الاستغلال..

وتبقى ضرورة الاعتماد على الحملات التنويرية والتعريفية بالمستجدات المرتبطة بهذا النوع من الجرائم، حتى يمكن ربط الجهود الوقائية مع جهود المكافحة، لإحكام السيطرة على شبكات وعصابات الاتجار بجرائم تخل بالشرف والأخلاق والقيم والأعراف المجتمعية، وتستهدف مجتمعنا. ومن الأهمية التأكيد على أن جرائم الاتجار بالبشر، تعد من نتائج عولمة الاقتصاد وتداعيات النظام العالمي الجديد..

ولذا ما زال على جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان تكثيف جهودها، للوقوف بصلابة ضد استغلال النساء واستباحة جسد المرأة وتحويله إلى سلعة تباع. وتكفي الإشارة إلى تقرير الأمم المتحدة الذي يظهر أن عائدات جرائم الاتجار بالبشر في العالم تصل إلى 1200 مليار دولار في السنة، أي ما يمثل 15% من حجم التجارة العالمية.

! ومن المؤسف أن هنالك دولاً تربط بين معدلات نموها الاقتصادي، والفوائد والعوائد الاقتصادية التي تجنى من مثل هذه الممارسات اللاإنسانية، وتحاول تسريب هذه الأنماط السيئة من الجرائم إلى كل الدول الخليجية.. ولا سبيل لإبطال هذا إلا بتضافر الجهود المحلية والإقليمية والدولية، كما سبق وأشرنا.