لا تزال قضية الخدم تشغل حيزاً كبيراً من فوضى الأخبار اليومية التي نتصل بها من قريب أو بعيد، حتى لا يكاد يخلو يوم من حادثة أو مشكلة صغيرة محدودة أحياناً وكبيرة مؤلمة أحياناً أخرى، أبطالها الخدم وضحاياها أبناء الوطن.

خادمة إفريقية تطعن مخدومتها أكثر من مئة طعنة لترديها قتيلة، ثم تغلق عليها غرفة نومها مع ابنتها الصغيرة وتشعل فيهما النار لتلقى الصغيرة حتفها هي الأخرى اختناقاً، وبعد ذلك ـ حسب ما ذكرت صحيفة «الإمارات اليوم» ـ سرقت ببرودة دم وأعصاب ما خف حمله وغلا ثمنه من المجوهرات والمال وغادرت الشقة، ولم يمض على عملها لدى هذه الأسرة سوى أسبوع..!

بعد إلقاء القبض عليها زعمت أن حدة الخلافات بينها وبين مخدومتها دفعتها إلى جريمتها البشعة! ونحن نستغرب مثل كل العقلاء، ما هذه الخلافات التي تبلغ حدتها بعد أسبوع فقط من عمل الخادمة؟ وهل حقاً جاءت لتعمل بعرق جبينها أم بيديها الملطختين بالدماء؟

وبعد البدء في محاكمتها، أحيلت إلى طبيب نفسي ليقيّم حالتها وما إذا كانت مصابة بمرض أوصلها إلى هذه الحالة، ولعلنا نتساءل أيضاً؛ هل المريض النفسي الذي يفقد عقله يقتل ويحرق، ثم يبحث عن أغلى المجوهرات والأموال ويسرقها ويغادر وكأن شيئاً لم يكن؟!

هذه القضية التي لا نملك الحكم فيها قطعاً، إنما الحكم والكلمة للقضاء الذي نثق فيه كل الثقة، تفتح أمامنا كماً هائلاً من الأسئلة التي نتهرب منها في كثير من الأحيان ولا نجيب عنها، وكأن موضوع الخدم ركن من أركان الأسرة يعد الاقتراب منه إيذاناً بتحطيم الأسر!

لم تعد تستطيع الأسرة الخليجية مكابدة الحياة إلا بالاستعانة بالخدم، هذا هو الواقع في أغلب صوره التي نراها ونعرفها، ولكن وقفة مع الذات نسأل فيها أنفسنا نحن أبناء الخليج، هل الحياة ستتوقف إن أحجمنا عن إدخال الخدم بيوتنا؟ وهل أصبح الخدم من ضروريات الحياة، حتى أن الأسرة التي تتكون من أم وأب وطفل واحد تستنجد بالخدم؟ أم أن الأمر خرج من دائرة الحاجة الضيقة إلى دائرة أوسع من الوجاهة والمباهاة و«البريستيج» المقيت؟

وإذا افترضنا أن الأمور أغلقت أمامها جميع أبواب الخلاص سوى أبواب الخدم، فهل كلفنا أنفسنا عناء التثبت على أعلى المستويات وأدق التفاصيل، من حال هذه الخادمة وأمثالها، الذين ندخلهم بيوتنا ونفتح لهم أبوابنا ونضع أولادنا وأموالنا في متناول أيديهم، وكأن الخادمة آلة صماء جامدة وليست إنساناً له مطامع وعثرات، ونوايا سيئة أحياناً لا تؤمن ثورتها في أي لحظة، لتسرق أمان الأسر قبل أموالها؟!

ولماذا نتجاهل دوماً أن الخدم يأتون إلينا من بيئة غير بيئتنا، لها ثقافتها الخاصة وعاداتها المميزة وطباعها التي لا نعرفها في كثير من الأحيان، بل وفي بعض الأسر يستعان بخدم من دين غير ديننا ونترك أولادنا بين أيديهم ساعات طويلة خلال اليوم، ولا ندري ما الأثر الذي يتركونه في ثقافة أبنائنا على المدى البعيد؟! وهذا الضرر في نظري أبشع من القتل الحقيقي، لأنه قتل في العادات والثقافة والعقيدة في المستقبل، وإن كنا نضع بين هلالين ما يثبته الواقع أن ديانة الخدم في بعض الأحيان مع الأسف لم تكن رادعاً عن القيام بالكثير من الجرائم، ولا مانعة من الخيانة للمخدومين ولو ماثلوهم بالعقيدة والديانة.

ولماذا تتهاون الأسر في مسألة الخدم، وتعتبر نفسها دوماً هي المحظوظة البعيدة عن خطرهم؟ أليس حرياً بها أن تتأنى كثيراً قبل أن تقبل دخول إنسان غريب إلى بيتها وتأتمنه على أولادها وأموالها؟ ولماذا تصبح الحياة التي لا نستطيع أن نكابد مشقاتها إلا بالاستعانة بالخدم، رخيصة علينا بحيث نضعها بين أيدي من هب ودب، غافلين مطمئنين وكأن الخدم جهاز إنذار أوتوماتيكي أو آلة كهربائية نشتريها بضمان؟!

ثم نظرة إلى مكاتب استقدام الخدم، لنسأل أيضاً أين الرقابة على أدائها وكيفية إحضارها للخدم، وعلى أي أسس تقدمها للبيت الخليجي المحافظ؟ وهل تراعي انتقاء ما يتواءم مع طبيعة هذه الثقافة أخلاقياً وسلوكياً، أم أن الأمر بضاعة لكل نوع ميزاته وأسعاره؟! وهل هذه المكاتب التي تضخ الخدم في بيوتنا، تخضع هؤلاء الخدم لدورات إعداد نفسي واجتماعي يهيئها لمهام العمل داخل البيوت؟ وهل يتم التعاون والتنسيق بين هذه المكاتب في الدول الخليجية والمكاتب الحكومية المعترف بها في دول تصدير العمالة، ليتم التحقق فعلاً من عدم إقدام الخدم على أي جريمة قبل استقدامهم للعمل لدى الأسرة؟

أسئلة كثيرة نغص بها كلما صدمت أعيننا أخبار جرائم على أيدي الخدم، لنعود إلى المربع الأول في قضيتنا ونسأل أنفسنا؛ هل حقاً لا تستقيم حياتنا إلا بوجود هؤلاء الغرباء بيننا؟