مما لا جدال فيه أن إسرائيل أكثر المعنيين بما جرى ويجري من تغيير عاصف في الساحة العربية، وخاصة في دول الطوق وأبرزها مصر التي سقط فيها النظام سقوطاً مروعاً، وسوريا التي تشهد مخاضاً عسيراً قد يفضي إلى نهاياته الحتمية بعد حين

 

. وتبقى لبنان والأردن بوصفهما دولتي طوق تتأثران بصورة حاسمة فيما جرى ويجري في مصر وسوريا. ولا ننسى هنا الإشارة أيضاً إلى قطاع غزة الذي قد يشهد انفراجاً إذا ما تخلّت المنظومة السياسية المصرية الجديدة عن النظرة المُتجهمة تجاه حماس، والتي كانت سمة غالبة في رؤية النظام المنحسر للرئيس السابق حسني مبارك.

 

وبالتوازي مع ذلك ستتأثر الضفة الغربية التي سيتاح لها نظرياً الولوج إلى انتفاضة جديدة تستلهم ما جرى في العالم العربي، وتكون سلمية ومؤلمة لإسرائيل في ذات الوقت، الأمر الذي سيخل عملياً بسياسات «الإحلال» المنهجي الذي تتبعه إسرائيل في الضفة الغربية، تخلصاً من مسؤوليات «الاحتلال»، وتكريساً لبقاء الاستيطان اليهودي لمدة عقدين، وذلك احتساباً لإمكانية توطين اليهود بحكم الأمر الواقع، وبغطاء قانوني دولي.

 

تلك هي الخيارات الجهنمية التي أخذت بها المؤسسة الإسرائيلية الغارقة في أوهام دولتها الدينية العرقية المفارقة لنواميس الأرض والسماء، وقد أفلحت على مدى السنين الماضية في استثمار العجز العربي الذي انعكس بطبيعة الحال على فلسطين، وجعل خيارات القضم والضم والإحلال المنهجي للسكان ديدن النشاط التوسعي اليهودي خلال السنوات الماضية.

 

التقلبات الواقعة في المنطقة العربية وتلك المحتملة تجعل إسرائيل في حالة ترقب وقلق شاملين، ومن المؤكد أنها تستعين بمراكز دراساتها الاستراتيجية المتفوقة حصراً على مراكز الدراسات العربية، وستحاول قراءة المشهد من خلال مقدماته ونتائجه واحتمالاته، وبمنطق ابستمولوجي لا يخلو من خبث، .

وسوف لن توفر وقتاً أو جهداً للحفاظ على العلاقات الخاصة بالولايات المتحدة والتي تكرست على مدى سنين طويلة، وتداخلت فيها الأوهام التوراتية ذات الحضور المؤكد في البروتستانتية السياسية الأميركية، مع تسويق دائم للنموذج الديمقراطي اليهودي المُغاير للحالة العربية، والاستخدام المُمعن لنفوذ الاوليغاركيا المالية والإعلامية والفنية اليهودية العتيدة داخل الولايات المتحدة الأميركية.

 

على خط متصل ستواجه إسرائيل حالة أكثر عسراً في المعسكر الأوروبي الكبير، الذي يتقاطع سلباً مع اليهودية السياسية التاريخية لأسباب عقدية دينية تتمثل حصراً في الأفقين الكاثوليكي والأرثوذكسي، وأسباب تاريخية مرصودة في أساس «فقه المراجعة التاريخية» التي ما فتئت الذاكرة التاريخية الأوروبية تعيد إنتاجها كلما خبا وتلاشى مفعول قوانين معاداة السامية المشرعة أمام العقول كما لو أنها مكارثية سياسية.

 

من هذه الزاوية يمكن الإشارة إلى أن المتغير السياسي العربي سيكون له آثاراً مؤكدة على العلاقات الأميركية الإسرائيلية من جهة، والعلاقات الأوروبية الإسرائيلية من جهة، وخاصة إذا سارت الدول العربية على درب الشفافية الناجزة، والالتحاق المُبادر بركب البشرية السويّة في أربع أرجاء العالم، وتم التخلّي التام عن ثقافة الماضي القريب في مرجعيات الحكم والإدارة

 

. من هذه الزوايا أيضاً لن يكون المُتغير القادم في صالح إسرائيل التي كثيراً ما استفادت من أصدقاء أميركا من العرب المُستبدين، ممن تربعوا في ساحات الدفاع عن منظوماتهم المتكلّسة، وكانت مراضاة أميركا، وضمناً إسرائيل، الوسيلة المناسبة لإسكات صوت الحق في الداخل والخارج. لكن هذا العهد انتهى بقوة دفع التسونامي القادم من دهاء التاريخ وآلام الدهر، وبالترافق مع ذلك تخلّت أميركا ومن معها عن الأصدقاء الأوفياء، إقرارا بالحقيقة الموضوعية، .

 

واتساقاً مع الفرصة السانحة التي قد تفضي إلى عالم عربي لا يغرد خارج السرب العام للبشرية السويّة. تعرف إسرائيل حقاً وصدقاً إنها لن تتعامل بعد الآن مع الدوائر السرية المغلقة، ولن تفاوض ترويكا السلطة العربية الناتئة في الغرف المظلمة، بل أن أي حوار قادم مع العرب سيتم من خلال المؤسسات الدستورية، ولن تكون هنالك أوراق تحت الطاولة ، بل العكس .

 

. وبهذا المعنى ستجد نفسها أمام استحقاق من نمط جديد وهي تذهب بعيداً في محاورة العرب، ذلك أن أي تفاوض معها لن يكون بمنأى عن النخب السياسية الممثلة للجماهير في أجهزة الشرعية الدستورية للأنظمة العربية الجديدة.

 

ستفقد إسرائيل ميزة كبرى طالما استندت عليها، فهي لن تتمكن من الاستفراد بالضعفاء، أو الانفراد بالأقوياء، بل ستجد نفسها في مواجهة ذاكرة مؤسسية مكافئة لذاكرة الشفافية المؤسسية التي تتمتع بها، والتي كانت ومازالت سببا في ميزاتها النسبية تجاه العرب.

 

وعلى المستوى الأشمل والمرتبط أساساً بالولايات المتحدة لن تجد الإدارات الأميركية المتعاقبة تعللات تساعدها على التعامل الانتقائي النفعي مع العالم العربي، بل ستجد نفسها أمام أوضاع جديدة يكون فيها رئيس الدولة موظفاً عاماً لا يقوى على مُغالبة الرأي العام وتخطي أجهزة الشرعية الدستورية والقانونية، والتعامل مع الملفات الشائكة خارج التشاور مع ممثلي الشعب.

 

. لكن هذا المشهد لن يتوفّر بسهولة ويسر، بل أن مقدمات تبلوره وحضوره مرهون بنجاح التغيير، ومغادرة تقاليد الماضي السالب، فالتغيير مخاض عسير، ولا يمكنه إلغاء الماضي بجرة قلم، ولا يمكن للجديد أن يتخلّق ويتبلور إلا من أحشاء القديم العتيد، كما يقول فيلسوف الجدل المادي، .

 

ولا يمكننا تصور أن الشفافية ستسود العالم العربي بين عشية وضحاها، لكن ذلك لا يمنعنا من التفاؤل، واستقراء منطق التاريخ المتجدد، وملاحظة الزلزال العاصف الذي حصل خلال فترة زمنية قياسية، وبمتوالية لم تدر بخلد أكثر المراقبين السياسيين حصافة وتوقعاً.

 

ما جرى ويجري سيكون لصالح العرب حصراً، وستجد إسرائيل نفسها أمام حالة لم تواجهها طوال أكثر من نصف قرن من الاستباحة والاستقواء والظلم، وما سيراه عتاة الايدولوجيا الصهيونية من صواعق لن يقف عند تخوم الصراع العربي الإسرائيلي، بل سيرمي بظلال مؤكدة على أصدقاء إسرائيل الأوفياء.