رجَّل الفارس بعد أن أدى الأمانة، وحقق الرسالة التي حملها طوال عمره، ووضع السفينة على طريق الرفعة والتقدم والازدهار، وحماها من العواصف والأمواج العاتية التي حاولت إزاحتها عن مسارها نحو المستقبل، ومن رضى خالقه عليه أن جعله يحصد ما زرع بيديه، ويرى نتاج غرسه، ويزهو بما قدَّم من عطاء، إخلاصاً لربه وحباً يفيض لوطنه وشعبه وأمته، ويعطي المثل والقدوة في أسلوب القيادة وبناء الأمم وإدارة الدولة. وكما كان بسيطاً في حياته وحكيماً في تصرفاته وسلوكه، جاءت جنازته مهيبة وبسيطة، وتعبِّر عن صادق حزن كل من افتقدوه قائداً وأباً وزعيماً ومعلماً.

ورغم إيمان الشيخ زايد رحمه الله وطيَّب ثراه بالقدر، فإنه لم يكن ليترك شيئاً للصدفة، بعد أن أرسى قواعد البناء وشيَّد أركانه وبات مطمئناً على زرعه، فبما منحه الله من حكمة وبصيرة نافذة، آل على نفسه ألا يترك أمر الخلافة للأهواء، وتماسك الدولة والأسس والقيم والمبادئ التي أرساها للظروف، بل أعدَّ لكل شيء عدته، سواء في حسم مسألة الخلافة، أو في تأهيل وإعداد من سيتحمَّلها، أو في ضمان استمرار النهج الوحدوي الذي حمل رايته منذ أكثر من ستة عقود، عندما أدرك وهو شاب أهمية التكاتف والتقارب بين المواطنين، للتغلب على شظف الحياة ومواجهة ما تحفل به الصحراء من مخاوف وأهوال.

فعندما ننظر إلى ما حدث في دولة الإمارات العربية المتحدة من الانتقال السلس للمسؤولية، والذي لم يستغرق سوى دقائق معدودة من المجلس الأعلى للاتحاد، في الاجتماع والإعلان عن تولي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئاسة الدولة خلفاً للقائد العظيم، فإن المغزى هنا: (‬1) أن المسيرة التي أرسى ثوابتها الوالد الشيخ زايد رحمه الله، سوف تستمر وفق ما أراد وخطط مسبقاً. (‬2) أن أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد على قناعة بأن رئيس الدولة الجديد قد تتلمذ على يد وطنية حكيمة، ونبت وترعرع في كنف المبادئ والأسس والقيم النبيلة. (‬3) أن دستور دولة الإمارات العربية المتحدة والطابع المؤسسي لها، يحكم حياتها السياسية في أدق المراحل والمواقف. (‬4) الإيمان الكامل لأعضاء الاتحاد بأهمية التكاتف والوحدة، واجتماع القلوب على رأي وموقف واحد لما فيه صالح الوطن. (‬5) أن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، يملك القدرة على قيادة الدولة وإدارة شؤونها، وينطلق بها نحو المستقبل المنشود.

إنها قصة رجل نذر نفسه وأسرته لوطنه وشعبه، فشيخنا الحكيم زايد رحمه الله، كان مؤمناً إيماناً عميقاً بالاستثمار في البشر، وأنهم رأس مال الوطن، وتشكلت فطرته على معادلة أنه بالمواطن والثروة تتحقق التنمية الشاملة والتقدم الحضاري، فكان عليه أن يبدأ الاستثمار الحقيقي في أبنائه ليكونوا القدوة.

وإلقاء نظرة سريعة على تاريخ صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة، حفظه الله، يوضح أنه درج على نهج والده نفسه، مع اختلاف وحيد: أنه امتداد طبيعي من جيل البناة إلى جيل التمكين والتطوير والتحديث. فقد تعلم في صباه من مجالس والده أسس القيادة وأسلوب التعامل مع أبناء وطنه، وعندما اشتد عوده تحمل مسؤولية منصب ممثل حاكم أبوظبي في المنطقة الشرقية ورئيس المحاكم فيها، وهو المنصب نفسه الذي تولاه والده، ثم أصبح ولياً لعهد إمارة أبوظبي ليكتسب حكمة الإدارة ويدرك هموم الوطن، ثم كان دوره الأساسي في تشكيل قوة دفاع أبوظبي التي أصبحت نواة القوات المسلحة الإماراتية، وكان أول رئيس وزراء لإمارة أبوظبي، ثم نائباً لأول رئيس لمجلس الوزراء الاتحادي. وقبل أن يبلغ السادسة والعشرين رأس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، الذي يتولى مسؤولية تطوير البنية التحتية والخدمات والتوسع العمراني والتخطيط الحضاري، ثم تولى منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، بما يعنيه ذلك من إدراك كامل وفهم واقعي للتحديات والتهديدات التي تواجه أمن واستقرار الوطن والمواطن. أما مغزى رئاسته للمجلس الأعلى للبترول فإنه لا يغيب عن أحد، حيث يمثل النفط مصدر الدخل الرئيسي للدولة.

ولقد استطاع صاحب السمو الشيخ خليفة أن يثبت قدرته وكفاءته في أداء كل ما أوكل إليه من مهام، سائراً على خطى القائد يستلهم منه الرشد، فكانت له مآثره الإنسانية النبيلة ومواقفه الشجاعة والعادلة، وعطاؤه الدائم، وثوابته المبدئية النابعة من بيت زايد وسلوكه، وقد أثبتت السنوات الماضية مدى حكمة وبصيرة الشيخ خليفة النافذة، في السير قُدُماً بالدولة في طريق التنمية والازدهار.

أما ولي عهد أبوظبي سمو الشيخ محمد بن زايد، فإن من تعرَّف عليه وتعامل معه يجده لا يختلف كثيراً عن أخيه. ولا عجب في هذا، فقد نشأ وترعرع في البيت نفسه، وعلى يد المعلم والمربي ذاته الذي كان خلقه القرآن، لذلك لم يكن يوماً طامعاً في سلطة أو منصب، وتعلم إنكار الذات والإخلاص للوطن والتفاني في خدمته، والإسراع بمساعدة كل محتاج من دون أن ينتظر المكافأة أو الجزاء، فسار على الدرب متدرجاً في الوظائف العسكرية والسياسية، متحلياً بثوابت ومبادئ وقيم الحكيم الوالد، فحظي بمكانة عالية في نفوس أبناء وطنه، سواء داخل القوات المسلحة أو خارجها، وأسهم بصدق في بناء الوطن والمواطن.

وإذا كان أبناء الشيخ زايد رحمه الله خير خلف لأفضل سلف، فإن ثوابت منظومة القيم والمبادئ والنظريات السياسية والإدارية للحكم التي أرساها سموه، رحمه الله، في أسرته الصغيرة من أبناء، وفي أسرته الكبيرة من شعب الإمارات الذي هام به حباً، يصعب عدُّها وحصرُها، لذلك سنعرض لبعضها الذي انفرد به عن سائر الحكام والزعماء والقادة في تاريخنا الحديث والمعاصر، وجعل منه ظاهرة تحتذى، ولا نجد لها نظيراً في أدبيات العلوم الاجتماعية.

لقد سنَّ رحمه الله مبدأ «الليبرالية المحافظة»، التي جمعت بين الأصالة والمعاصرة، والحرية والتقاليد، والعدالة المطلقة في السلوك، ومد جسور التواصل بين الأجيال، ليحصل على لقب «الوالد» بديلاً عن لقب «الرئيسس. ووضع أسس نظرية سياسية جديدة يمكن أن نطلق عليها «إنسانية السياسةس، وهي تعتمد القيم والمبادئ الإنسانية عند إدارة السياسة الخارجية، وترى أنه يجب تكريسها لخدمة البشر والإنسانية. لم يكن الراحل الجليل يؤمن بالخصومة والصراع التاريخي، بل بالحوار والتعاون وتقريب وجهات النظر، وإبراز الوجه الحقيقي للتسامح ونفض غبار الخلاف، واختفت من قاموس زايد نغمة التفرقة والفرقة، وحل مكانهما التجمع والوحدة.

وانطلاقاً من مخزونه العقائدي الفطري، استطاع أن يؤسس الهوية الوطنية للاتحاد، ويقدم الشخصية الإماراتية للعالم بأسره، فهو النموذج والقدوة، لذلك اختلط لأول مرة مسمى الوطن بالحاكم، وأصبحا كياناً وحداً لا يفترق، فزايد هو الوطن، والوطن في زايد.

أما نظرية «طي الزمن» فينفرد بها زايد وحده، فالزمن عنده لا يُقاس بالأيام أو الشهور أو السنوات، بل باللحظات والثواني، فكل ثانية تحمل جديداً من الإنجازات، والزمن يقاس بما قام به المسؤولون من عمل، وبما أنجزوه من مهام لصالح الوطن والمواطن. ولن ننسى صورة الشيخ زايد رحمه الله وهو يخط بيده على رمال أبوظبي عام ‬1966، محدِّداً مكان السوق والسكن والمدرسة، لنرى بعد فترة زمنية قياسية آلاف الأسواق والمدارس، وعاصمة شامخة تضارع أحدث عواصم العالم، بعد أن جعل الثروة في خدمة الشعب، والحكم للشعب وبالشعب، وسن التلقائية في التعامل وتوظيف كل الجهود لصالح المواطن، وهو الدرب نفسه الذي يسير عليه صاحب السمو الشيخ خليفة.