يلح عليَّ تساؤل مهم منذ أن ترعرعت على أيدي حكماء هذا الوطن وتربيت في كنف اتحاده.. بم يشعر المواطن الإماراتي عندما يطالع نفسه كل يوم في المرآة، ويرى الزمن وهو يخط بسنواته في وجهه وينحت بآثاره التغير في ملامحه، ويضع حداً لقدراته وصحته، ثم يستعيد شريط ذكرياته وكيف مرت سنوات عمره بأمن وأمان؟!
تساؤل مشروع وواقعي، ولكن ماذا لو نظر هذا المواطن في مرآة الحياة الاجتماعية في الإمارات، وواجه نفسه ليرى حقيقة ما فعلته الدولة من أجل رعايته من المهد إلى اللحد، وكيف احتضنته كما الأم الرؤوم لتخفف من أعبائه وتزيح عنه همومه وترفع عن كاهله مسؤولية التفكير في الغد؟
إن الاستثمار في رأس المال البشري الذي تبنته دولة الإمارات جيلاً بعد جيل، انطلق من مقولة بسيطة فحواها أن من زرع حصد، فكيف يكون حصاد الزرع في البشر من إنتاج عالي الجودة، صحياً وبدنياً وعلمياً وفكرياً، ليسهم في بناء الحاضر وصناعة المستقبل؟
لقد ترسخ في وجدان دولة الإمارات العربية المتحدة أن بين الوطن والمواطن علاقة طردية، فعندما يعلو شأن المواطن في مختلف مناحي الحياة ينعكس ذلك إيجاباً على الوطن، والعكس صحيح.
لذلك أصبح المواطن غاية ووسيلة في آن، حيث تركزت هذه الغاية في بناء مواطن سويٍّ ترعاه الدولة منذ ولادته، لينشأ في بيئة صحية ويستطيع اختيار طريقه في الحياة، وفق التنوع الهائل الذي توفره الدولة في الداخل والخارج، في مجالات التعليم والتأهيل والتدريب، ليصبح بعد ذلك الوسيلة التي يحقق بها الوطن ما يصبو إليه.
لذلك نجد أنه في وسط الزخم الذي تعانيه دول كثيرة، من الصراعات الطائفية والعرقية والعصبيات القبلية، والشعور بالغربة نتيجة لانتشار الفساد والرشوة والمحسوبية، فإن هناك عدداً محدوداً من الدول العربية التي تبذل كل ما في وسعها لصالح شعوبها والمقيمين فيها، ولا تجد هذه مبرراً واحداً يحرمها من ولاءات مواطنيها وسكانها، إلا اتصافهم بالجحود والنكران.
لذلك فإن هناك فيضاً جارفاً من الوفاء والانتماء، يدفع أبناء الإمارات إلى الارتباط بمجتمعاتهم ووطنهم، ويستشعر ما يواجه الوطن من تحديات وما يحيط به من تهديدات، ومن ثم يدفعهم للعمل بكل ما في وسعهم، للحفاظ على أمنه ورفعته وتقدمه، انطلاقاً من مواقعهم أياً كان.
وإذا كان الولاء قيمة وطنية تولد مع الإنسان يوم ميلاده، وتنمو وتكبر معه لتجعله متعلقاً معنوياً ومادياً بأسرته ومجتمعه ووطنه، بالإضافة إلى إخلاصه لأسرته وقيادة وطنه، وتضحيته بالغالي والنفيس في سبيل مصالح وطنه وبناء مجتمعه والتمسك بقيادته.. فإن الولاء للإمارات من أسمى القيم.
فالوطن باق لا يزول، يتحملنا صغاراً ويساندنا كباراً، ويحفظنا في كهولتنا.
إن دولة الإمارات في مسيرتها نحو المستقبل، تقدم كل ما في وسعها لصالح رفاهية وسعادة مواطنيها، فهي ترعاهم منذ مولدهم حتى كهولتهم؛ من توفير للتعليم المجاني والحياة المعيشية الكريمة، وتوفير العمل والمسكن اللائق، والمساعدة في تكوين الأسرة، وتيسير أمور الحياة كلها، بل والبحث المستمر لرفع أي معاناة عن المواطن.
لقد آن الأوان لنعترف بفضل الوطن علينا، ونبذل قصارى جهدنا للحفاظ على مكتسباته، والالتزام بالقوانين والأعراف والتقاليد، ومحاربة الشائعات التي تحاول النيل من الدولة، وعدم الانصياع وراء الأفكار الهدامة، والنظر إلى حقيقة الأمور، والتفاني والإخلاص في العمل، وبذل الجهد لدعم مسيرته التنموية، وبذل الجهد في الحفاظ على أمنه، واحترام قوانينه والتمسك بتقاليده، والدفاع عن مصالحه وقيمه، إيماناً بأنه «ما شرب أحد من بئر ورمى حجراً فيه».
إن الوطن ليس سلعة تباع وتشرى، بل هو السكن والمسكن، وهو الملاذ من كل أخطار الدنيا، وهو الأمن والأمان.. والوطن هو الأسرة والأم اللتان يجب أن يكون لهما كل الإخلاص والتفاني، ومن دونهما سيكون الفرد لقيطاً!
