سنّت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الماضية عدداً من القوانين، واتخذت مجموعة واسعة من التدابير والإجراءات، انطلاقاً من حرصها على الحفاظ على حقوق أصحاب العمل والعمال، وإيماناً منها بأهمية بيئة العمل في الإنتاج وإبداع العامل، مما ينعكس إيجابياً على الاقتصاد الكلي، الأمر الذي عزز من مكانتها كوجهة عالمية للاستثمار، ورسّخ من موقعها كمركز للاحتراف والابتكار.
وحظي إعداد المواطن وتوفير فرص عمل تحقق له حياة كريمة ومستقبلاً آمناً، باهتمام ومتابعة القيادة الرشيدة في الدولة، واحتل صدارة أولويات مهام الحكومة وأهدافها الاستراتيجية، وأكدت الرؤى والخطط الاستراتيجية على المستوى الاتحادي والمحلي عليه. وجاءت استراتيجية الحكومة في مجال التوطين على مستويين، هما:
1.تطبيق برامج لتأهيل كوادر وطنية بشكل يواكب ويلبي متطلبات النمو والانفتاح الاقتصادي الذي تشهده الدولة، وبما يعزز القدرة التنافسية للمواطنين في سوق العمل داخلياً وخارجياً.
2.وضع سياسات لإعداد كوادر وطنية متخصصة ومحترفة تلبي احتياجات المرحلة ومتطلباتها، وبما يتوافق مع الرؤى والخطط الاقتصادية طويلة المدى للدولة.
وتضمنت استراتيجية الحكومة في مجال التوطين، ثلاثة عناصر رئيسة تستهدف ثلاث فئات، كالآتي:
1.إعداد كوادر مواطنة قيادية تستطيع التعامل مع المتغيرات والتطورات المتسارعة واتخاذ القرارات الصحيحة والحاسمة، والفئة المستهدفة هي فئة القادة.
2.إعداد كوادر مواطنة للعمل في القطاعين العام والخاص، في وظائف مستحدثة أو إحلالهم تدريجياً في الوظائف التي تشغلها العناصر غير المواطنة، مع مراعاة تطورها ونموها وظيفياً، والفئة المستهدفة هي فئة الباحثين عن العمل.
3.إعداد وتأهيل ودعم مجموعة من أصحاب الأعمال المواطنين القادرين على ممارسة العمل الحر، وذلك وفق استراتيجية اقتصادية لتعزيز دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الإماراتي، والفئة المستهدفة هي المواطنون الراغبون في الأعمال الحرة.
وأنشأت الحكومة في سبيل تنفيذ الأهداف الثلاثة لاستراتيجيتها، مؤسسات ومراكز لوضع آليات عملية لتنفيذها، وضمان تطبيقها بالشكل الصحيح والمستهدف. ففي ما يتعلق بالفئة الأولى، وهي فئة القادة، أنشأت الحكومة العديد من المؤسسات التي تهتم بإعداد القادة المواطنين، كبرنامج الشيخ محمد بن راشد لإعداد القادة، وكلية دبي للإدارة الحكومية، والمؤسستان تقدمان برامج مختلفة لتدريب وتأهيل صناع السياسات العامة والقيادات الحكومية. كما تقوم مؤسسات حكومية، اتحادية ومحلية، وكذلك مؤسسات خاصة، بإنشاء مراكز ووحدات لإعداد القادة، كمركز إعداد القادة في الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة. ويُلاحظ أن برامج إعداد القادة استطاعت رفد المؤسسات بعناصر مواطنة ذات مؤهلات عالية، أصبحت تحتل مناصب قيادية هامة في الدولة.
من جانب آخر، قامت الحكومة بجهود كبيرة لمساعدة المواطنين الباحثين عن العمل على إيجاد وظائف مناسبة لهم في القطاعين العام والخاص، وتركزت هذه الجهود في صور مختلفة، كاستحداث وظائف للمواطنين في المؤسسات الحكومية، وبما يتوافق مع احتياجات هذه المؤسسات ويساهم في رفع جودة الخدمات التي تقدمها، ويعزز موقعها كإحدى أفضل الحكومات على مستوى العالم، أو إحلال الوظائف التي يشغلها غير المواطنين بالكوادر الوطنية، بعد تأهيلهم وإعدادهم لهذه الوظائف في مؤسسات حكومية أو خاصة، وإعطاء الأولوية للمواطن لشغل الوظائف مباشرة إذا كان مؤهلاً لها، أو تأهيله لشغلها. ومن أهم الجهود التي قامت بها الحكومة في هذا المجال، تأسيس هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية «تنمية»، وهي هيئة عامة تعمل على تمكين المواطنين في سوق العمل، وتحفيز الطلب عليهم في القطاعين العام والخاص، وتأسيس هيئات على المستوى المحلي، كمجلس أبوظبي للتوطين، إضافة إلى تنظيم ملتقيات سنوية تساعد الباحثين عن العمل من المواطنين، على التعرف على فرص العمل المتاحة وطبيعتها، من خلال لقائهم بالجهات التي توفر هذه الفرص، ومن أهم هذه الملتقيات معرض الإمارات للوظائف الذي ينظم سنوياً.
ولم تقتصر جهود الدولة في مجال التوطين على توفير فرص العمل، بل شملت أيضاً إعداد المواطنين وتأهيلهم ليكونوا أصحاب أعمال، ودعمهم مادياً واستشارياً لبدء عملهم الخاص، وذلك ضمن سياسة متكاملة تستهدف إنشاء حاضنات الأعمال كإحدى وسائل تعزيز دور المؤسسات الوطنية الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها من بين سياسات تنويع القاعدة الاقتصادية للدولة. وظهرت في هذا الخصوص برامج حكومية متعددة، من أهمها صندوق الشيخ خليفة لدعم المشاريع، ومؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومؤسسة الشارقة لدعم المشاريع الريادية «رواد»، وبرنامج سعود بن صقر لدعم مشاريع الشباب، وبرنامج سعود بن راشد المعلا لدعم مشاريع الشباب، وغيرها من البرامج الطموحة التي ساهمت في خلق مشروعات وطنية رائدة في الدولة، أصبح بعضها ينافس نظائره في الأسواق الإقليمية والعالمية.
إن استراتيجية التوطين التي انتهجتها وتبنتها الدولة، أخذت تؤتي ثمارها اليوم، وأصبح المواطنون يلعبون أداوراً مختلفة في وطنهم، ويساهمون كلٌّ في مجاله في نمو هذا الوطن ورفعته وتطوره، وأصبح اسم الإمارات يتردد عالياً في العالم، من خلال الإنجازات التي حققها ويحققها مواطنوها في مختلف الميادين.
