أحد جرائم النظام السابق في مصر هي المقامرة بطبيعة الدولة في مصر باعتبارها دولة مدنية تنتمي لامتها العربية وتضع الإسلام مصدراً أساسياً للتشريع، ويتفق أبناؤها (بمن فيهم الأقباط) على أن الحضارة الإسلامية العربية تجمعهم في رحابها.
كان النظام في سنواته الأخيرة قد استطاع ــ بحماقة نادرة المثال ــ ان يقضي على الحياة السياسية وأن يحاصر الأحزاب ويحولها إلى مجرد ديكور للنظام، وكان يتصور أنه حقق نجاحاً حين قضى على أي منافسة حقيقية من أي حزب سياسي موجود في الساحة ليبقي اللعبة بين طرفين أساسيين:
الحزب الحاكم بما يملكه من إمكانيات الدولة التي توضع كلها في خدمته، وجماعة «الإخوان المسلمين» التي كان يرى أنها خصم مثالي، فهي ــ عند الحاجة ــ جماعة محظورة تفتقد الشرعية القانونية وبالتالي يمكن سجن أو اعتقال زعمائها وكوادرها السياسية،.
وهي ــ في مواجهة الضغوط الخارجية والمطالب الداخلية ــ يمكن تحويلها إلى «فزاعة» لإثارة المخاوف ليكون النظام (بكل فساده واستبداده) هو الحل، وليكون «التوريث» ممكناً من خلال اتفاق كان النظام يرى ان الجماعة يمكن أن تقتنع به إذا ضمنت نصيبها في السلطة.
وقد كانت الانتخابات التشريعية في 2005 نقطة فاصلة في هذا الاتجاه، وبناء على صفقة رعتها الأجهزة الأمنية، وسمح النظام لــ «الجماعة» بالمشاركة العلنية والمستقلة وبحصة محدودة من البرلمان. لكن المناخ العام من جانب، وضعف باقي الأحزاب من جانب آخر،.
والإشراف القضائي الذي كان كاملاً في المرحلة الأولى من الانتخابات أدى إلى المفاجأة التي أذهلت الجميع، فقد حصدت الجماعة أكثر من 20 ٪ من مقاعد البرلمان (أكثر من ثمانين مقعداً) واعترف رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف بأنه لولا التزوير في المراحل التالية من الانتخابات لارتفعت النسبة إلى أكثر من 30 ٪ من المقاعد.
وكان من نتائج ذلك ان اكتسبت جماعة الإخوان المسلمين الثقة في شعبيتها وفي قدراتها التنظيمية، كما بدأت أطراف خارجية (وخاصة الولايات المتحدة الأميركية) تعيد تقييم الموقف وتقيم جسوراً من الاتصالات مع الجماعة. أما النظام فقد بدأ يتحرك لمواجهة آثار ما حدث.
وهنا كانت الجريمة التي ستدفع مصر ثمنها لسنوات طويلة، فبدلاً من إصلاح سياسي حقيقي يتيح للأحزاب ان تنشط، وللملايين الصامتة أن تنخرط في العمل السياسي، ترك النظام الملف في يد الأمن، واستمر الأمن على نهجه في محاصرة العمل السياسي وإضعاف الأحزاب، ثم لجأ إلى مساعدة جماعات دينية أخرى لتنافس جماعة الإخوان.
وهكذا انطلقت الجماعات السلفية تكثف نشاطها بصورة غير مسبوقة (بتشجيع النظام وحماية الأمن) على اعتبار انها جماعات موالية للحاكم وزاهدة في العمل السياسي ولا تريد إلا الدعوة لصحيح الدين.
كما تراه، وفي نفس الوقت كانت «الجماعة الإسلامية» التي اغتالت بعض عناصرها السادات وقامت بأكثر من مذبحة مثل مذبحة الأقصر ونشرت الإرهاب على مدى سنوات طويلة، كانت تعيد تنظيم صفوفها بعد الإفراج عن معظم كوادرها من السجون إثر المبادرة التي أعلنوا فيها تخليهم عن العنف.
والتزامهم هم أيضاً بحصر نشاطهم في الدعوة بعيداً عن العمل السياسي الذي أكدوا كراهيتهم له، وحتى «الطرق الصوفية» التي ظلت بعيدة عن السياسة متفرغة لذكر الله تم استدعاؤها لتساند وتبايع وتعلن الولاء للنظام وإن لم تقترب من السياسة التي تفتقر إلى أي خبرة بها أو أي قدرة على المناورة في دروبها.
كان هذا هو المشهد قبل ان تفاجئ ثورة 25 يناير الجميع، ومن البداية كان الصوفيون والجماعة الإسلامية بعيداً عن صفوف الثورة، وبينما كان السلفيون يعلنون مساندتهم للنظام السابق ورفضهم الخروج عليه، كانت جماعة الإخوان المسلمين ترفض في البداية المشاركة في الثورة ثم تغير موقفها مع تطور الأحداث .
وتلعب دوراً في منع تصفية الثورة في موقعه الجمل، لتصبح بعد ذلك جزءاً فاعلاً في صفوف الثورة التي ما ان انتصرت حتى انفتح الصراع على من يمسك بزمام الأمور فيها ويفرض منهجه لتسير الأحداث في صالحه ولتسقط ثمار الثورة بين يديه.
. ومع أن جماعة الإخوان قد فرضت وجودها اللافت بفضل قدراتها التنظيمية وخبراتها السياسية، ومع تسليط الأضواء بعد ذلك على «الجماعة الإسلامية» خاصة بعد الإفراج عن عبود الزمر، إلا أن التطور الأهم كان بروز التيار السلفي وإعلانه أن قد تصالح مع العمل السياسي الذي خاصمه طويلاً،.
واستخدامه للإمكانيات الإعلامية والسيطرة على المساجد التي كانت قد تمت بمساعدة النظام السابق لترويج أفكاره، وانطلاق بعض فصائله في سباق محموم مع الإخوان من ناحية، ومع الجماعة الإسلامية من ناحية أخرى،.
وهو سباق لم يمنع تآلف الجميع في مواجهة «الآخرين» الذين أصبحوا متهمين بأنهم إما علمانيين كفرة أو أقباط ينبغي أن يخضعوا للجزية .
كما قيل بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية، أو«غزوة الصناديق» وتوابعها التي تواجه الثورة الآن بأخطر تحدياتها في أحداث محافظة قنا بصعيد مصر على خلفية تعيين محافظ قبطي في حركة المحافظين الجديدة التي صدرت الأسبوع الماضي. خطورة ما حدث أنه يمثل تحدياً لسلطة الدولة.
وأنه يقود إلى صدام يحاول من يخططون له أن يكسبوه صبغة دينية، وانه يكشف عن نفس التحالف المريب الذي رأيناه في الاستفتاء على التعديلات الدستورية بين الجماعات السلفية المتطرفة وبين الذين يدافعون عن مراكزهم التي اكتسبوها في ظل النظام السابق.
وتزداد الخطورة في ظل تصريحات ملتبسة لقادة الإخوان المسلمين يبدو أنهم يحاولون بها صد هجمة «الإخوة الأعداء» عليهم، فيزايدون بالحديث عن دولة دينية تتصادم حتى مع ما كانوا يؤكدون الالتزام به حتى الآن، من هنا كان الموقف الحاسم للحكومة المصرية برفض أي تراجع في مواجهة تصعيد الموقف في «قنا»، خاصة بعد أن بدأ الأمر يمتد إلى محافظات أخرى في تحد سافر لسلطة الدولة..