هل غرق «الاتحاد الأورو متوسطي» أو «الاتحاد من أجل المتوسط»، في مياه البحر المتوسط أثناء رحلة المصالح من الشمال إلى الجنوب، خصوصاً بعد الفشل الفرنسي في تونس بسقوط الرئيس السابق ابن على،.

 

واختلال توازن ذلك الاتحاد بسقوط الرئيس المصري السابق مبارك، شريك الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي المتوقع سقوطه على نطاق واسع بعد شهور؟

 

أم هو يوشك الآن على الغرق في المستنقعات الجنوبية للبحر المتوسط، خصوصاً في الرمال الليبية، نتيجة تطورات الثورات الشعبية في تونس ومصر، والحراك الشعبي والسياسي في المنطقة، والحرب الجوية الدائرة من الشمال إلى الجنوب وباندفاع أنجلو ـ فرنسي بين ضفتي المتوسط؟..

 

أم أنه أصيب فقط بالشلل وجمود الحركة، بفعل اختلاف الثقافة ومرض «الإسلاموفوبيا» لإبعاد تركيا عن الاتحاد الأوروبي، وخبث السياسة وغرض «الحضور الصهيوني» لإدخال إسرائيل والعرب في «اتحاد متوسطي»، فسببت إسرائيل ـ خصوصاً بعد عدوانها الوحشي على أسطول الحرية المتجه لقطاع غزة ـ

توتر العلاقات وتداعي ذلك الاتحاد بين الغرب والشرق؟ أياً كانت الإجابات عن تلك الأسئلة،.

 

فالواضح أن ذلك «الاتحاد المتوسطي» يوشك الآن على الغرق، إن لم يكن غرق فعلاً بسبب اضطراب العلاقات وتوترها الساخن في ظل الأزمة الاقتصادية في الشمال، والمتغيرات الثورية الشعبية في الجنوب، أي بعبارة أوضح بين الربيع العربي والخريف الغربي..

 

إضافة إلى غياب الأساس الحقيقي المتين لقيامه، وهو الذي تداعى أخيراً بدبلوماسية الكروز والتوماهوك والميراج والتورنيدو، التي تلقي قنابلها من الشمال على الجنوب. فلقد أسسه ساركوزي ومبارك وبيريز على أساس آخر لا ترضى عنه لا شعوب الشمال .

 

ولا شعوب الجنوب.. أساس جلب المصالح لطرف واحد، هو الشمال الغربي الذي ظلت روحه الاستعمارية القديمة وحاجته المصلحية الجديدة للاستحواذ على ثروات الجنوب، هي التي تحكم نظرته للعلاقة بين الجانبين أو بين الشرق والغرب، وليس على أساس المبادئ لصالح الطرفين! لهذا، ربما سقط سهواً، بفعل الأحداث العربية والغربية المتلاحقة، الحديث عن مصير ذلك الاتحاد الميت تقريباً،.

 

والذي يحاول ساركوزي إعادة إحيائه، بينما تشير استطلاعات الرأي الفرنسية إلى أن رئيس الاتحاد ساركوزي نفسه، مقبل على السقوط في الانتخابات الفرنسية المقبلة، فيما الاتحاد المتوسطي العاجز ذاته، الذي لم يعقد إلا قمة واحدة منذ تأسيسه،.

 

وظلت لعنة التأجيل تلاحق قممه المرة تلو المرة مانعة انعقاد القمة الثانية، وذلك بفعل سياسات إسرائيل التي أقيم الاتحاد لإحضارها، وبفعل موقف تركيا المناصر لفلسطين والتي أقيم الاتحاد لإبعادها.

 

فالأحداث السياسية العربية العاصفة الساعية إلى الإصلاح أحيانا والتغيير غالباً، والتي لها أسبابها المبررة غالبا بفعل تراكم الأزمات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية.

 

والمقررة أحيانا بفعل المخططات الغربية الاستعمارية الجاهزة، تتخذ أشكالاً مختلفة، شغلت الجميع عن الالتفات إعلامياً أو سياسياً إلى ذلك الاتحاد، سواء لإنقاذه أو لنقل مشهد غرقه في المياه أو في الرمال أو في المستنقعات الإفريقية على السواء.

 

والخريطة الجيوسياسية هذه الأيام، تعكس المشهد العربي والمشهد الغربي بوضوح، وتعكس العلاقة بين الشمال والجنوب بوضوح أيضاً، خصوصاً أن الذي يهز العالم الآن هو ثورات شعبية عربية أطاحت رؤوس أنظمة أمنيّة كانت تحكم بالقبضة الحديدية، كانت دول الشمال تتعامل من خلالها مع دول الجنوب، بل وكانت تدعمها أمنياً قبل أن تساندها سياسياً. ولعل هذا الطرح هو الذي كان يميّز طريقة التعامل الغربية.

 

وخصوصاً الأوروبية، مع أنظمة تونس ومصر وليبيا، والتي في مجملها تمس مباشرة المصالح الجيوسياسية التي تحكم تلك العلاقة منذ عصر الاستعمار. والأكثر ثباتاً الآن، أن نهر النيل يربط العرب بإفريقيا أكثر مما يربطهم البحر المتوسط بأوروبا، خصوصاً مع ثبوت مقولة أن «الأنهار تربط والبحار تفصل»،.

 

فهناك عدد من القواعد الثابتة اتخذت شكل مقولات حاكمة، ظلت إلى اليوم تمثل المنطلقات الأساسية في الغالب لصياغة الفكر السياسي ونظريات الأمن الوطني والاتحادات الإقليمية، ولرسم دوائر السياسات الخارجية في الاستراتيجيات الدولية.

 

ومع ثبوت صحة العلاقة بين الجغرافيا والتاريخ بتأثيراتهما في الثقافة والسياسة، لم تثبت أبداً الخرائط الجغرافية مع نشأة الدول التقليدية أو الإمبراطوريات التاريخية، نتيجة الحروب الاستعمارية منذ بداية التاريخ وحتى اليوم.

 

وظلت الجغرافيا متحركة مثلما ظلت حركة التاريخ مستمرة، ولكن بوتيرة أسرع، بل بلغ تأثير الاستثناءات في تلك القواعد، حد ظهور مقولة جديدة تقول: «الجغرافيا تاريخ ساكن، والتاريخ جغرافيا متحركة».

 

وهو ما ينبطبق بشكل نسبي على العلاقة بين الثقافة والسياسة، أو على الأصح بين المبادئ والمصالح، ففي حين يصح القول إن الثقافة ثابتة والسياسة متغيرة؛ أي أن المبادئ ثابتة والمصالح متغيرة، فإن هناك العديد من الاستثناءات التي لا تلغي صحة القواعد، وإن باتت تتجاوز القواعد بصورة أكبر في العقود الأخيرة.

 

في النهاية، فإن العلاقة الأكيدة بين الجغرافيا والتاريخ وتأثيرهما المتبادل مع الثقافة والسياسة، في العلاقات الدولية بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب، وما ارتبط بها من مقولات حاكمة، مع استثناءات مثل القول إن «الجغرافيا ثابتة والتاريخ متحرك»، وأن «الأنهار تربط والبحار تفصل»..

 

فإن البحر المتوسط ليس استثناء من تلك القاعدة، إلا بجسر جديد ثابت يقوم على العدالة وعلى الاستقلال، وعلى الاحترام المتبادل لقيم وحضارات وعقائد ولخيارات شعوب الضفتين.