ليس بعيداً عن الواقع ما قاله الرئيس المصري السابق مبارك في التحقيقات من أنه كان يريد إعلان تخليه عن الرئاسة في اليوم الرابع من اندلاع الثورة ضد حكمه، لولا أن «المقربين» منه ضغطوا عليه لمنعه من اتخاذ هذا القرار الذي سيؤدي (كما قالوا) لتعريض سلامة البلاد للخطر، فضلاً عن أنه يتجاوز مطالب المتظاهرين التي قالوا إنها تقف عند حد تغيير الحكومة، وهو ما أعلنه.

أميل لتصديق رواية الرئيس السابق، فالرجل كان مريضاً ومتعباً، ولم يكن قادراً على المواجهة، وكان قد ابتعد لسنوات طويلة عن المتابعة الجادة لما يجري والممارسة الفعلية لمهام منصبه، وهو في عز الأزمة وطوال أربعة أيام حسمت مصير حكمه بدأت في ‬25 يناير كان غائباً عن الأحداث، ولم يظهر على شاشات التلفزيون إلا بعد انهيار جهاز الشرطة واشتعال الموقف في كل أنحاء الدولة.

وطوال هذه الأيام الأربعة الحاسمة لم يتحدث لوزير داخليته إلا مرة واحدة هي التي قد تقوده لأسوأ الاحتمالات، حيث يقول وزير داخليته إن قرار إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين جاء بناء على قرار الرئيس السابق في هذه المكالمة !!

«المقربون» الذين منعوه من اتخاذ قرار التنحي مبكراً وفي اليوم الرابع للثورة، وهو قرار كان سيغير مسار الأحداث تماما، هم الذين منعوه مرة أخرى قبل يوم واحد من تنحيه بعد أسبوعين من اتخاذ القرار، وقاموا بتغيير الخطاب الذي كان معداً لذلك، فجاء الخطاب بعد التعديل بمثابة الكارثة له والصدمة للجماهير الثائرة وللقيادة العسكرية التي كانت قد أبلغته بقرارها بأن رحيله لم يعد منه مفر !!

«المقربون» كانوا في هذه الفترة فريقين، الرفاق القدامى وعلى رأسهم صفوت الشريف وزكريا عزمي، والعائلة ومعها بعض الأعوان مثل أنس الفقي وزير الإعلام يومها، والتي كانت تتصرف بهدف واحد هو الحفاظ على السلطة الفعلية في يد الابن جمال والحفاظ على سيناريو الوراثة الذي كان يحكم كل شيء في مصر لسنوات عديدة وكان السبب الأساسي في انفجار الموقف واندلاع الثورة.

بعد التنحي اختفى مبارك وأسرته في إقامة إجبارية في شرم الشيخ. ورغم تعالي الأصوات يوماً بعد يوم تحذر من خطورة بقائه هناك بعيداً عن السيطرة الكاملة.

فقد كانت القيادة العسكرية تتعامل مع الموقف بالكثير من المرونة، حتى جاء الخطاب الأخير الذي أذاعته قناة «العربية» بصوت الرئيس السابق ليضع النهاية لشهرين من الترقب، وليقود مبارك وابنيه إلى السجن والمحاكمة !!

«المقربون»الذين أشاروا عليه هذه المرة انحصروا في العائلة فقط. ورد الفعل العنيف من القيادة العسكرية لم يكن فقط استجابة للتظاهرات المليونية التي احتشدت مرة أخرى تطلب محاكمة الرئيس السابق، وتهدد بالذهاب إلى شرم الشيخ ومحاصرة مقر إقامة الرئيس السابق، ولكنه كان الرد على تحركات لم تتوقف لأعوان بارزين للنظام السابق لإثارة الفوضى وخلق المتاعب وتعطيل الإنتاج، ثم لتجميع الصفوف مستغلين افتقاد المواطنين الأمن .

وما كانوا يثيرون من إشاعات وأحداث مريبة كادت توقف الدراسة في المدارس والجامعات وتغلق دور السينما وتمنع مباريات الكرة، وتوقف الحياة في القاهرة والأقاليم.

ثم كان الأخطر هو ما حدث من محاولة جر الجيش إلى صدام مع المتظاهرين، والحملة التي بدت منظمة للغاية للإساءة للقوات المسلحة، في وقت كانت الاستعدادات تتم لحشد الأنصار في ‬25 ابريل استحضاراً لذكرى رفع العلم المصري على طابا بالإعلان عن التأييد للرئيس السابق.

ولا أظن أن مبارك نفسه كان ضالعاً في ذلك. ولكن «المقربون» وهم هنا الابن الوريث «جمال» كانوا كذلك، والرجل الذي كان يقود الحشد لتظاهرات التأييد لمبارك هو نفسه الذي قاد هذا التحرك قبل التنحي وفشل.

وهو الذي شارك في موقعه «الجمل» الشهيرة، وهو عراب التوريث الملياردير إبراهيم كامل الذي قبض عليه أخيراً بعد أن شارك فيما هو أخطر حيث ثبت أنه كان وراء ما حدث أثناء التظاهرة الأخيرة في ميدان التحرير من تحريض على الإساءة للقوات المسلحة، واختراق بعض جماعات المتظاهرين ودفعهم للصدام مع الجيش، وهو ما كاد يؤدي إلى كارثة لولا نجاح القوى الوطنية في محاصرة الموقف وتبين أبعاد التآمر.

في ظل هذه الظروف كان «المقربون» يأخذون أنفسهم ويأخذون الرئيس السابق إلى ما كان بعيداً عنهم طوال شهرين بعد التنحي، إلى السجن والمحاكمة، وهنا جاء خطاب «العربية» بلغته الخشبية وكأنه ؟

في وقت واحد ؟ يتحدى الملايين التي تظاهرت تطالب لمحاكمته، ويتحدى أيضاً القيادة العسكرية التي حمته طوال الشهرين الماضيين.

ولكن الأخطر أن الخطاب جاء وكأنه رسالة دعم لمن يحشدون لتظاهرات التأييد له التي كانت مقررة بعد أيام، والتي ظهر أنها كانت تريد أن تحتل «ميدان التحرير» وتفجر الموقف وتقود مصر إلى صدام كان أسوأ ما فيه هو السعي لانقسام في القوات المسلحة، وهو ما أدى في النهاية لهذا الرد العنيف الذي حسم الموقف ووضع الرئيس السابق ووارثيه وأركان النظام السابق رهن الحبس والمحاكمة.

التقيت الرئيس السابق مرات قليلة، وعارضت سياساته طوال ثلاثين عاماً من حكمه، وأظن أنه كان يستطيع أن يكتب لنفسه نهاية أفضل لو أنصت لصوت العقل، ولم يترك مصيره ومصير الوطن في أيدي الورثة و«المقربين» الذين كانوا على استعداد لأن يدمروا كل شيء من أجل الحفاظ على الحكم.

إنهم لم يقرأوا تاريخ مصر، ولم يعرفوا أن شعبها قد يصبر طويلاً، ولكنه حين يصدر القرار، فإنه يكتب النهاية لعصر ويفتح صفحة جديدة في كتاب التاريخ !