إسرائيل وتزاحم الأفكار المستنسخة

ت + ت - الحجم الطبيعي

في خطوة مدروسة، أعلنت مجموعة من الشخصيات السياسية والأمنية والعسكرية بينها قادة سابقون في أجهزة الموساد و«الشاباك» داخل إسرائيل عن نيتها إطلاق مبادرة سياسية جديدة للسلام مع العرب ولتحريك المسار التفاوضي مع الطرف الفلسطيني بعد الجمود الطويل الذي بات يلف هذا المسار،.

 

حيث يأمل أصحاب المبادرة كما ذكرت العديد من المصادر الإسرائيلية، أن تحظى بدعم شعبي من داخل التجمع اليهودي على أرض فلسطين، وأن تترك تأثيراتها على الحكومة «الإسرائيلية» التي تواجه وضعاً دولياً مغايراً لما كانت تعيشه الدولة العبرية في فترات سابقة.

 

ومن بين بعض مطلقي المقترحات أو المبادرة، مجموعة من الشخصيات السابقة من زبدة رجال الأمن والجيش في إسرائيل ومن بينهم الجنرال داني ياتوم، الرئيس السابق لجهاز المخابرات الإسرائيلية الخارجية (الموساد)، والجنرال يعقوب بيري،.

 

وهو رئيس سابق لجهاز الأمن الداخلي «الشاباك»، وهما اثنان من أصل أربعين شخصاً موقعاً على الوثيقة وهم جميعاً من تيار ما يسمى «اليسار الصهيوني الإسرائيلي».

 

ومن بينهم أيضاً أكاديميون ورجال أعمال وابن وابنة رئيس الوزراء الجنرال إسحق رابين الذي اغتيل عام ‬1995 على يد اليهودي اليمني المتطرف إيغال عامير،.

 

وهم يأملون أن تكون مبادرتهم رافعة دبلوماسية لإسرائيل للخروج من أزمة انغلاق مسارات التسوية والتفاوض مع مختلف الأطراف، خصوصاً مع الطرفين السوري والفلسطيني،.

 

كما والخروج من أزمات إسرائيل التي تواجه الآن مجتمعاً دولياً بات يملك موقفاً مغايراً ولو بحدود معينة عن المواقف التي كانت سائدة في فترات ماضية، خصوصاً في ظل رياح التغييرات العاصفة التي تجتاح العالم العربي في الوقت الراهن.

 

ومن الواضح أن معدي المبادرة الإسرائيلية ليسوا الآن في موقع صناع القرار في إسرائيل، ومبادرتهم تمثل مواقف الجناح الوسطي من حزب العمل بشكل عام، فيما ترفضها غالبية التشكيلات الحزبية السياسية الإسرائيلية بما فيها حزبا كاديما والليكود بشكل كامل.

 

فضلاً عن أن المبادرة أو مشروع الأفكار المقدمة من خلالها لن يكون لها أي أهمية على الصعيد العملي، لأنها تتعارض مع اتجاهات المجتمع الإسرائيلي الذي يتجه بمعظم تشكيلاته نحو اليمين واليمين المتطرف المتطرف.

 

فالتيار المركزي في إسرائيل يميني ويميني متشدد وبعيد عن جملة الأفكار التي تضمنتها المبادرة بالرغم من الملاحظات الهائلة المطروحة عليها،.

 

إضافة إلى أن نتانياهو ومعه وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان لا يقبلان تلك المقترحات التي تضمنتها المبادرة إياها، لأن فيها انسحاباً من الضفة الغربية والجولان السوري المحتل، فحكومة نتانياهو غير معنية أصلاً بالانسحاب من قرية واحدة فكيف بالانسحاب من الضفة الغربية والجولان السوري المحتل على حد سواء.

 

إن مبادرة جنرالات الأمن والعسكر والسياسة السابقين في إسرائيل والتي تحمل اسم (المبادرة الإسرائيلية للسلام) تقع في صفحتين واستوحيت بشكل خاص من التغييرات التي تشهدها المنطقة،.

 

وقد امتلأت بالعموميات والتعميمات، وهربت من التحديدات، وتمت صياغتها كرد مباشر على مبادرة السلام العربية التي أصدرتها الجامعة العربية عام ‬2002 وجددتها عام ‬2007.

 

وفي خطوطها العريضة، فان المبادرة تدعو إلى قيام دولة فلسطينية على معظم مساحة الضفة الغربية وغزة وعاصمتها القدس الشرقية (لاحظوا عبارة معظم مساحة الضفة الغربية وهي عبارة مطاطة لاتحديد فيها).

 

وتقول المبادرة إنها تشاطر المبادرة العربية فكرة أن «حلاً عسكرياً للنزاع لن يحقق السلام ولن يوفر الأمن للأطراف»، داعية لحل الدولتين وفق المنطق الذي تضمنته «مقاييس كلينتون» للعام ‬2000،.

 

وانسحاب إسرائيل من مرتفعات الجولان (دون تحديد عمق الانسحاب ومداه وتحديداته الزمنية) ووضع مجموعة من الآليات الأمنية الإقليمية ومشاريع تعاون اقتصادي.

 

وستكون فلسطين حسب هذه المبادرة دولة للفلسطينيين وإسرائيل «دولة لليهود (يكون للأقلية العربية حقوق مساوية وكاملة كما ينص عليه إعلان الاستقلال الإسرائيلي الصهيوني)».

 

كما تدعو الوثيقة إلى أن تكون خطوط العام ‬1967 الأساس للحدود بين الدولتين مع تعديلات يتم التوافق عليها على أساس تبادل للأراضي لا يتجاوز ‬7٪ من الضفة الغربية (طبعاً مع استثناء الانسحاب التام من القدس الشرقية) .

 

حيث تطالب المبادرة أن تكون الأحياء اليهودية في القدس المحتلة جزءاً من إسرائيل والأحياء العربية جزءاً من فلسطين و«جبل الهيكل» أي الحرم القدسي لن يكون تحت أية سيادة رغم أن الحائط الغربي (حائط البراق) .

 

والحي اليهودي من المدينة القديمة سيكون تحت سيطرة إسرائيل (أي السيطرة على المساحة الأكبر من القدس الشرقية من قبل إسرائيل).

 

ومع هذا، إن المبادرة أو الأفكار المقترحة، تبدو في إطارها العام أوسع من الاقتراحات التي يحاول أن يقدمها نتانياهو في خطته الجديدة المعنونة بخطة نتانياهو والتي بدأ بدوره في الترويج لها.

 

لكنها تبقى في نفس الدائرة المحدودة التي تستثني الموضوعات الأساسية.

 

فهي مبادرة لا تخرج تقريباً عن الحدود التي تتحرك فيها «القيادة الإسرائيلية» الحالية، وتستبعد أي حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين .

 

حيث تقترح الخطة تعويضات مالية لهم وعودة محدودة إلى دولة فلسطين وليس إلى دولة إسرائيل «إضافة إلى استثناءات رمزية يتم التوافق عليها» بحيث تسمح بدخول البعض إلى إسرائيل. فالمقترحات تقترب مما يفكر به نتانياهو، وهو صاحب القرار والتأثير الوحيد.

 

خلاصة القول، إن الخلفية الحقيقية التي تكمن وراء المبادرة أو الأفكار التي بدأت تطل من إسرائيل على لسان بعض القيادات السابقة الأمنية والسياسية والعسكرية.

 

ومن بينهم نتانياهو ذاته، الذي بدأ بإعداد نفسه لإطلاق مبادرة خاصة به، جاءت أولاً بسبب الخوف والقلق المتزايد داخل إسرائيل من العزلة الدولية المتنامية تجاه الدولة العبرية.

 

والمتوقع لها أن تتزايد مع اقتراب موعد الاستحقاق المرتقب مع تقديم فلسطين لطلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وثانياً بسبب من التحولات الكبيرة وتفاعلاتها في المنطقة العربية، وضبابية المشهد الآتي.

 

وعليه، أن المبادرة التي أعدتها شخصيات أمنية وإعلامية إسرائيلية، ونشرتها صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، تهدف إلى إخراج إسرائيل من عزلتها الدبلوماسية، واعادة تسليك مسار التسوية والمفاوضات مع الطرفين الفلسطيني أولاً والسوري ثانياً.

 

في وقت يبدو فيه أن غالبية القوى السياسية في إسرائيل ترفضها ومعها غالبية شرائح المجتمع الإسرائيلي وقواه السياسية في فلسطين المحتلة عام ‬1948، انطلاقاً من الرفض العملي لمبدأ الانسحاب التام والكامل من عموم الأرض المحتلة عام ‬1967.

طباعة Email