ما جرى في مصر من تغييرات داخلية دراماتيكية إيجابية، ومن تحقيقات ومحاكمات قضائية انتهت بحبس أكبر رموز الاستبداد السياسي والفساد المالي والقمع الأمني في النظام السابق،.

 

ومن تحولات خارجية بناءة لصالح الوطن المصري والأمة العربية والإسلامية ولدول الجوار الإفريقية، لم يكن منتظرا..

 

وما يجري في مصر بتلاحم وطني عميق بقيادة الجيش، استجابة لإرادة ومطالب الشعب وليس لإرادة دكتاتور فرد أو لمصالح حزب، يكاد ينطبق عليه بيت الشعر القائل: «كان حلما فخاطرا فاحتمالا..

 

ثم أضحى حقيقة لا خيالا»، للشاعر المصري الكبير علي محمود طه.

 

إن ما جرى في مصر من تغيير إيجابي منذ الخامس والعشرين من يناير وحتى الحادي عشر من فبراير، بإرادة شعبية حرة عبرت عن نفسها بأعلى صوت وأروع صورة وأقوى وحدة وطنية، بالثورة وتحقيق الإطاحة برأس النظام السابق حسني مبارك، وهو ما بدا للشعب حلما، أضحى حقيقة.

 

وما يجري في مصر من تحولات إيجابية منذ الحادي عشر من فبراير وحتى اليوم، في اتجاه إعادة بناء المؤسسات التشريعية والتنفيذية والحقوقية والإعلامية.

 

وإعادة تحديد موقع مصر في محيطها العربي والإسلامي والإفريقي ورسم المدارات الجدية للسياسة الخارجية، وهو ما بدا للمراقبين خاطرا، أضحى واقعا.

 

فهذا الذي جرى ويجري على مدى أقل من ثلاثة شهور، غير تماما صورة المشهد السياسي المصري، وجعل من وحدة الشعب والجيش سدا عاليا لحماية الثورة الشعبية المصرية.

 

ولصد كل محاولات القوى المضادة لهذا التغيير، وللمحاولات في الداخل أو من الخارج، سواء للالتفاف على الثورة أو لإجهاضها أو لنشر «الفوضى غير الخلاقة».

 

وهنا يثور السؤال؛ مصر ما بعد مبارك.. إلى أين؟ وكيف ستواجه قوى الثورة الشعبية المصرية السيناريوهات المعدة من القوى الخارجية المعادية لما هو مصري وعربي وإسلامي.

 

والتحركات الفوضوية اليائسة من القوى الداخلية المضادة لكل ما هو وطني وتقدمي وإنساني؟

 

وهنا دعونا نتفق على حقيقة، لا خيالا، أن مصر اليوم بفضل الله وبإرادة الشعب، بعد مبارك هي أفضل مما كانت عليه بالأمس، وأن مصر غدا ستكون بعون الله أفضل بكثير مما كانت عليه اليوم.

 

وهنا أيضا لن نمل ولا يجب أن نمل من الإضاءة على الصورة الحالية لما جرى ويجري في الوطن العربي.

 

وفي قلبه فلسطين وفي مقدمته مصر، ومن التذكير بحقيقة المؤامرة الرئيسية على وحدة وتحرر وتقدم الأمة العربية والإسلامية.

 

والتركيز على المؤامرات الفرعية في أكثر من بؤرة على امتداد هذه الأمة، كرد عدواني صهيو أميركي على ما جرى من ثورتين شعبيتين عظيمتين في تونس الخضراء وفي مصر الشامخة.

 

وهنا أيضا لن نتخيل ولن نتحدث عن تلك المؤامرة الكبرى على مستوى الأمة، ولا عن المؤامرات الصغرى على سبيل الاحتمالات، وإنما نستند في كل ما نشير إليه على أقوال الأعداء أنفسهم الثابتة في وثائقهم المنشورة.

 

وسواء في ما يتعلق بمصر أو بالدول العربية والإسلامية الأخرى، أجدني استعيد ما اعترف به «عاموس يادين» رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية الحالي.

 

وما كشفه «آفي ديختر» وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق، والذي ركز على ثلاثة منطلقات أساسية للحركة الاستراتيجية في المحيط الإقليمي للكيان الصهيوني مستقبلاً.

 

الأول: خيار استخدام القوى العسكرية (الصهيو أميركية المدعومة بالناتو طبعا)، لحسم التحديات الصعبة والخطيرة والمستعصية على الحل السياسي والدبلوماسي والفتنوي، عن طريق إثارة الصراعات البينية وفق مصالح ذلك الكيان الاستعماري العدواني، بدلاً من التدخل المباشر..

 

والثاني: التوظيف لجماعة إثنية وطائفية، واستخدام قوة داخلية وتوظيفها لتؤدي المهمة، أو قوى معارضة لديها الاستعداد للتعاون مقابل عدم تطلعها للوصول إلى السلطة.

 

والثالث: العودة إلى إقامة أو تجديد تحالفات إسرائيل مع دول الجوار، على غرار حلف المحيط الذي شكله ديفيد بن غوريون في منتصف الخمسينات من القرن الماضي مع تركيا وإثيوبيا، في نطاق استراتيجية شد الأطراف أو شل قدرات دول مثل العراق وسوريا أو السودان وليبيا، حتى لا تستخدم في المواجهة مع إسرائيل، وتحييد الشطر الأكبر منها على حدود دول الجوار:

 

إيران، تركيا، إثيوبيا. في الظروف الماضية قبل ‬11 فبراير ـ بحسب بيريز وباراك وعاموس ـ كان حسني مبارك «كنزا استراتيجيا لإسرائيل»،.

 

وكانت مصر التي خرجت من دائرة الصراع العربي/ الصهيوني ودخلت في صلح مع إسرائيل، غير مسموح لها بدخول هذه الدائرة مرة أخرى، ولا بعودة علاقاتها الطبيعية مع أشقائها العرب ولا المسلمين المناهضين لإسرائيل.

 

وفي الظروف الحالية بعد ‬11 فبراير ـ بحسب نبيل العربي وزير خارجية مصر الثورة ـ فإن الكنز الاستراتيجي لإسرائيل في مصر قد نفد،.

 

وهي (مصر) لم تخرج من إطار الصراع العربي/ الصهيوني، وأنها سوف تصحح الخلل في علاقاتها بالدول العربية والإسلامية والإفريقية، مع حرص واضح على عروبة وأمن الخليج.

 

وبحسب ديختر، فإن دول الجوار التي بمقدورها أن توظف في نطاق استراتيجية شد وشل الأطراف هي: تشاد، جمهورية إفريقيا الوسطى، إثيوبيا، أوغندا، كينيا.. في مواجهة السودان،.

 

وتشاد في مواجهة ليبيا، ومالي في مواجهة الجزائر. أما سوريا فقد أشار إلى أن تركيا توقفت عن أداء وظيفة شد الأطراف تجاهها في المرحلة الراهنة.

 

أما وهو يقدم تصوره للعلاقة مع مصر، فإن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي حرص على القول إن إسرائيل.

 

وهي تسعى إلى تمتين صلاتها مع القاهرة بحيث تقوم على مرتكزات ثابتة، فإنها شديدة الحرص على نسج علاقة خاصة مع أقوى شخصيتين في البلد، ستتوليان السلطة بعد رحيل الرئيس مبارك، هما جمال مبارك نجل الرئيس، ورئيس المخابرات العامة عمر سليمان..

 

سيناريوهات المستقبل في مصر كانت ولا تزال، أحد الموضوعات التي تدور حولها مناقشات مستمرة في أروقة السلطة الإسرائيلية.

 

عبر عن ذلك آفي ديختر، حين قال في محاضرة له، إنه منذ توقيع معاهدة كامب ديفد عام ‬1979، وأحد الأسئلة الشاغلة للعقل الإسرائيلي هو:

 

كيف يمكن الحيلولة دون حدوث تغيير دراماتيكي في مصر؟

 

ومع كل ذلك.. وقع التغير الدراماتيكي، وأصبح واقعا لا احتمالا، ثم أضحى بعد مبارك حقيقة لا خيالا!