قد يبدو الأمر غريباً لمن يتعامل مع ظواهر الأمور فقط. فالحكومة التي أعدت قانوناً لتجريم التظاهر في مصر، هي الحكومة التي توافق على التظاهرات المليونية التي عادت للاحتشاد أسبوعيا في يوم الجمعة، بل وتشجع عليها ويخرج أعضاء منها يطالبون باستمرار هذه التظاهرات لحماية الثورة!
بالطبع يمكن القول إن التجريم يقتصر على الحالات التي تؤدي إلى توقف الإنتاج أو الإضرار بالممتلكات العامة والخاصة، لكن الأمر بالتأكيد وراءه ما هو أهم واخطر، فخلال الأسابيع الأخيرة ومع قدوم الدكتور عصام شرف لرئاسة الحكومة مؤكداً أن شرعيته تأتي من ميدان التحرير رمز الثورة كان الحراك السياسي يشهد تطورات بالغة الخطورة.
فمع الإحساس بتحقيق الانتصار، توقفت التظاهرات المليونية لكن التظاهرات الفئوية استمرت، وزاد عليها الاحتقان الطائفي وتظاهرات الأقباط عقب حادث حرق الكنيسة ورد السلفيين بتظاهرات أخرى، وربما كان ذلك هو المقدمة المطلوبة فيما يبدو لخلق المناخ الملائم لمخطط فرض الطابع الديني على الاستفتاء بشان التعديلات الدستورية، الذي جرى على وقع دعاية محمومة بأن «نعم» هي التي تحمي الإسلام، وأن «لا» هي الكفر بينة!
ولأن القيادة العسكرية كانت تتمنى «نعم» باعتبارها الطريق لإنهاء مهمتها في الوقت الذي حددته، فقد مر الأمر، ولكن الصورة بعد ذلك كانت تنذر بالكثير من المخاطر، ليس فقط على الثورة بل أيضا على أركان الدولة العتيدة في مصر.
فمن ناحية لم تعد قوى الثورة فقط هي التي تحذر من فلول النظام السابق ومن مخططات إجهاض الثورة، ومن تحركات بقايا الحزب الوطني، بل انضم المجلس العسكري ورئيس الحكومة في التحذير من هذا الخطر والمطالبة بالتصدي له. وكان هذا بالتأكيد نتيجة معلومات ووقائع(وليس تحليلات سياسية)عن تورط عناصر النظام القديم في التحريض والإخلال بالأمن والإضرار بالاقتصاد، وربما سيتم الكشف خلال الأيام القادمة عما هو أخطر.
ومن ناحية أخري كان شبح التطرف الديني يترك بصماته الثقيلة على المشهد، فبعد الاحتفالات التي صورت التصويت بـ«نعم» في الاستفتاء على أنه «غزوة الصناديق» بدأت الأمور تتجه إلى الأسوأ، فعبود الزمر الذي خرج من سجنه بعد ثلاثين سنة لم يكتف بظهوره الثقيل في الإعلام وتوزيعه بعض فتاوي التكفير وفرض الجزية، بل بارك الإطاحة بقيادته في«الجماعة الإسلامية»، التي كانت قد أدانت العنف قبل سنوات، وقدمت نقدا «ذاتيا» لموقفها، لتعود الجماعة إلى موقفها السابق. أما الأخطر فجاء من جانب السلفيين الذين كانوا حلفاء للنظام السابق حتى النهاية، والذين أدانوا الثورة ورفضوا المشاركة فيها.
والذين كانوا ـ بالنسبة للأجهزة الأمنية في النظام السابق ـ عامل توازن مع «الأخوان المسلمين»، وكانوا بالنسبة للرأي العام تياراً معتدلاً التزم بالتفرغ للدعوة وعدم ممارسة السياسة..الآن يدخل هذا التيار دنيا السياسة بكل قوته، ومع انقسامه لأكثر من جماعة، تظهر منه مجموعات أكثر تشدداً أثارت الفزع بممارساتها ضد الأقباط، وبتهديدات ضد النساء السافرات، وبصدامات مع فرق المتصوفة، وبمهاجمة المساجد وإزالة الأضرحة، وبمحاولة فرض منهجها بالقوة في الشارع المصري. ومن ناحية ثالثة..
كانت قوى الثورة تواجه تراجعاً في اندفاعاتها وانقسامات في صفوفها، كان أبرزها ما وقع على خلفية «الاستفتاء».. حيث ذهب «الإخوان المسلمون» مع الجماعات السلفية ومع الحزب الوطني في صف «نعم»، بينما كانت باقي قوى الثورة تقول: «لا»، والجدير بالذكر هنا أن المفارقة في الأمر أن التصويت بـ«نعم» قد أعقبه تبني القيادة العسكرية لمعظم ما طالب به أنصار «لا»..
فصدر إعلان دستوري، وتأجلت الانتخابات التشريعية إلى سبتمبر والرئاسية إلى آخر العام، وبدأ الحوار الوطني لإعداد أسس الدستور الجديد. ولم يكن تبني القيادة العسكرية والحكومة للعديد من مطالب من صوتوا بـ«لا» على التعديلات الدستورية، إلا إدراكا بصحة ما طالبت به قوى الثورة من البداية، من ضرورة إعطاء فرصة لها لتنظيم صفوفها؛ لأن الإسراع بالانتخابات التي كانت مقررة في الشهر القادم، لن تؤدي ؟ في ظل الظروف الحالية ؟ إلا إلى إعادة إنتاج النظام السابق.
ربما مع بعض التحسينات. لكن تأجيل الانتخابات لا يعني شيئاً إذا لم تصاحبه تغييرات أساسية في الظروف الموضوعية، بحيث يتم أولا استكمال مهام الثورة في إسقاط النظام السابق ومحاكمة رموزه، وبحيث يتم أيضاً توفير الظروف الملائمة لكي تنظم قوى الثورة صفوفها، ولكي توضع أسس النظام الجديد الذي يحقق أهداف الثورة ويضمن مدنية الدولة وعدم سقوطها في يد التطرف.
وفي هذا الإطار كان نجاح «مليونية إنقاذ الثورة» في ميدان التحرير الجمعة قبل الماضية حدثاً مهماً بكل المقاييس.. ليس فقط لأنه كان يعني أن قوى الثورة الأصيلة مازالت قادرة على استعادة المبادرة، وليس فقط لأنه حقق هذا الحضور الكبير رغم غياب الإخوان المسلمين وباقي التيارات الدينية، وإنما أيضا لأنه أعاد فرض أجندة الثورة، فتوالت القرارات حول محاكمة رموز النظام السابق وتصفية الحزب الوطني ومصادرة ممتلكاته والتغييرات في المؤسسات الإعلامية، والأهم هو الإنذار الحاسم من القيادة العسكرية «بأنها لن تسلم الدولة قبل وضع الضوابط التي تحفظها وتمنع سيطرة التيارات المتطرفة عليها».
والرسالة واضحة، كما كانت رسالة ميدان التحرير الذي عادت له التظاهرات المليونية لإنقاذ الثورة، ولعل عودة الإخوان المسلمين للمشاركة تزيل بعض الشكوك بين شركاء الثورة، ولعل ما جرى حتى الآن يكون دافعاً لنجاح الجهد الذي يتم الآن لبناء التحالف الوطني القادر على حماية الثورة، وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية. وأظن أن القوى التي ستجتمع في مؤتمر حاسم لهذا الغرض في 26 من هذا الشهر تعرف حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، وتعرف أنها لا تملك رفاهية الاستمرار في الانقسام والتشرذم، حتى يتمكن أعداء الثورة من تحقيق أهدافهم !!