فيما تظل مبادئ شعب مصر قبل ‬11فبراير القائمة على الحرية والتعاون والسلام خارجيا وعلى الديمقراطية والعدالة والتنمية داخليا، هي المبادئ نفسها بعد ‬11فبراير‬2011، فإن سياسة مصر بعد ثورة ‬25 يناير يمكن أن تختلف عن سياسة مصر قبل ثورة ‬25يناير، وليس في ذلك أي شيء غير طبيعي أو اختلاف أو مدعاة للقلق لأي من الأطراف الوطنية أو الإقليمية أو الدولية، ذلك أن المبادئ ثابتة والمصالح متغيرة، والسياسات تختلف من مرحلة إلى مرحلة ومن ظروف داخلية أو خارجية إلى ظروف أخري، بشرط ألا تكون سياسة خارجة على تلك المبادئ بل على أن تظل انعكاسا أمينا لتلك المبادئ.

مصر تعتبر الوضع في قطاع غزة أولوية خاصة، وعندما يؤكد وزير الخارجية المصري نبيل العربي أن مصر تسعى الآن بين حركتي «فتح» و«حماس» لإتمام عملية المصالحة الفلسطينية، ويرفض ما يتردد عن خروج مصر من إطار الصراع العربي الإسرائيلي، ويؤكد أنها أصبحت تتمتع الآن بعد ثورة ‬25 يناير بروح جديدة واهتمامات جديدة وأصبحت تعرف مسئوليتها وحقوقها وتمارس هذه الحقوق ساعية إلى استعادة دورها الطبيعي القومي الإقليمي والدولي، فليس في ذلك شيء غير طبيعي.

وحينما يعلن الوزير العربي أن مصر «تفتح صفحة جديدة مع دول العالم كافة بغير استثناء بما في ذلك إيران» فذلك يأتي تصحيحا لوضع كان مختلا حينما تطبع مصر العلاقات مع «إسرائيل» التي تقهر الشعب الفلسطيني وتقطعها مع دول تناصر الشعب الفلسطيني، مع مراعاة أن العلاقات المصرية مع إسرائيل أو إيران لا يجب أن تقوم على حساب مصالح وأمن الدول العربية الأخرى، فذلك أيضا إعلان للتصحيح.

وحينما تتحرك السياسة الخارجية المصرية بعد الثورة برئاسة الدكتور عصام شرف في اتجاه السودان العربي فذلك بلا شك سير وفق المبادئ والمصالح المصرية والعربية وفي الاتجاه الصحيح، وحينما يؤكد «نبيل العربي» أن موقف الحكومة المصرية واضح من الأزمة الليبية، فمصر منذ البداية ومازالت تشدد على أن يكون الحل من خلال الشعب الليبي سياسيا ودبلوماسيا وأنها ضد الحلول العسكرية لعدم إراقة الدماء الليبية العربية فهذا سير في الاتجاه الصحيح.

وإذا كان الأمن القومي المصري جزء من الأمن القومي العربي الذي يرتبط بمعادلة الأمن في الخليج والبحر الأبيض والأحمر، وبمعادلة الأمن الإقليمي والأمن الدولي، فإن تصريحات الدكتور العربي القاضي والدبلوماسي الدولي لا تأتي بجديد في المبادئ ولكنها بكل تأكيد تصحح الاختلال في السياسات الخارجية في دوائر العلاقات المصرية العربية والمصرية الإقليمية والمصرية الإسرائيلية وهذا أيضا مسار طبيعي في الاتجاه المرغوب فيه شعبيا والصحيح مبدئيا ومصلحيا.

أقول ذلك تأكيدا على أن السياسة الخارجية لدولة من الدول تنطلق من قواعد ثابتة وأهداف واضحة ومبادئ مشروعة سياسية ووطنية وأخلاقية وإنسانية تعكس إرادة عموم شعبها، وتحدد بوضوح من هو العدو ومن هو الشقيق ومن هو الصديق، وليست انطلاقا من رؤى قصيرة النظر لحكومة لا تعبر عن روابط شعبها، أو من سياسة مضطربة لوزير خارجية يفقد بوصلته فيعكس توجهات حزبه وليس توجهات شعبه. ولهذا حين تأتي سياسة «العربي» غير سياسة «أبو الغيط» فذلك طبيعي بل هو المسار الطبيعي تصحيحا للمعادلات المختلة التي سادت قبل الخامس والعشرين من يناير في تناقض مع المبادئ التي آمن بها دوما الشعب المصري منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، واستعادة للتوازن بين المبادئ والمصالح ولحرية الإرادة ولاستقلال القرار، وللقراءة الصحيحة لمتطلبات الأمن الوطني لمصر الذي هو جزء من الأمن القومي العربي.

فمن الثوابت، أن توجهات السياسة الخارجية لأية دولة في العالم لابد لها أن تأتي انعكاسا حقيقيا للمبادئ والقيم التي يؤمن بها شعب هذه الدولة، وللروابط والمصالح النابعة عن رؤية واضحة لمكانها ومكانتها وبالتالي لالتزاماتها و لدورها في أمتها وإقليمها وقارتها وعالمها بتوازن وعقلانية ووعي بالظروف والمخاطر المحيطة، كما لابد لها أن تنطلق من رؤية واضحة وواعية لمحددات أمنها القومي وحدوده وآفاقه أيضا، وأن تعكس واقع وموقع هذه الدولة وفقا لعقائدها وحضارتها وجغرافيتها وتاريخها، وفي النهاية عليها أن تخدم بكل ذلك مبادئ ومصالح وفلسفة السياسة الداخلية لحكومة هذه الدولة المستقلة وفقا للإرادة الحرة لشعب حر وليس العكس. وإذا كانت المبادئ ثابتة فالمصالح متغيرة بحكم الظروف المتغيرة، فسياسة بلد تابع غير سياسة بلد مستقل، فلا سياسة حرة لدولة غير حرة، وسياسة دولة كبرى بمصالحها ونظرتها الكبرى غير مصالح دولة صغرى بآفاقها ودوائر حركتها الصغرى، وبلد تقوده ثورة شعبية حرة غير بلد يحكمه حزب أو فرد يخدم مصالحه هو لا مصالح شعبه، والسياسة الحرة لا يمكن أن تتحقق إلا لشعب حر يملك إرادته وفي دولة حرة تملك قراراتها و تصيغ سياستها بما يعكس مبادئها ويؤكد روابطها ويحقق مصالحها، ومصر ليست استثناءً من ذلك كله، سواء حين صاغ لها الاستعمار وأعوانه سياستها التي قامت على التبعية القسرية بقوة الاحتلال في الماضي البعيد، أو حين صاغت سياستها الخارجية الحرة بعد ثورة يوليو المجيدة التي خلصتها من الاحتلال وأعلت إرادة شعبها بعد الاستقلال، أو حين تعيد اليوم صياغة سياستها الداخلية والخارجية استجابة لمطالب شعبها وترجمة لتوجهات ثورة يناير الشعبية التي استعادت روحها وهويتها وإرادتها المستقلة الحرة في الطريق لاستعادة دورها الطبيعي العربي والإسلامي والأفريقي، وصاغت رؤيتها الواضحة والواعية وفقا لإرادة شعبها ولاستقلال قرارها تجاه وطنها الكبير من الخليج إلى المحيط وأمتها الكبرى من المحيط إلى المحيط وقارتها المكافحة، وأكدت ارتباطاتها العضوية والتزاماتها المبدئية في صياغة جديدة وطبيعية لسياستها الخارجية تدور حركتها في دوائر ثلاث العربية والإسلامية والأفريقية، أخوة للأشقاء ووفاء للأصدقاء وارتباطا بدول الجوار ومواجهة للأعداء.