من خلال قصف ليبيا، حقق الرئيس الأميركي باراك أوباما بعض الأمور التي كان من المعتقد في وقت من الأوقات أنها ضرب من المستحيل تماماً في أميركا، وهي:

أولا؛ الليبراليون المروجون للحرب. يتفاخر الليبراليون الآن بشأن «التقدم» العسكري في ليبيا، حتى أن التلفزيون والإذاعة الليبراليين يوردان أسباباً بارعة، تبرر التدخل الوقائي الاختياري الأميركي في بلد عربي منتج للنفط، دون الحصول على موافقة مسبقة من الأغلبية في الكونغرس أو تأييد الرأي العام، وفي وقت العجوزات الهائلة في الاقتصاد الأميركي، يستحق الدعم، على طريقة «أساند رئيسي، سواء أصاب أم أخطاً». على ما يبدو فإن السياسة الخارجية الليبرالية تعود إلى أيام ما قبل حرب فيتنام، التي تبنى فيها الصقور شعار «الأفضل والأذكى».

ثانياً؛ أوروبا أولاً. لطالما اشتكى العديد من الأميركيين من الأوروبيين الانتهازيين والطوباويين. وفي ظل الدرع الواقية الأميركية الدفاعية، غالبا ما كانوا يحثوننا بشكل سري على التعامل مع الطغاة الأجانب الخطرين، في حين يبقون بمنأى عن الصراع لكي ينتقدوا أميركا، وفي الوقت نفسه يسعون إلى ميزات تجارية دولية وشبكة علاقات إيجابية. لكن أوباما الماكر تأخر حتى عن الفرنسيين، فقد تمكن من جعلهم يخجلون ويتحركون من خلال اتباع استراتيجية أميركية جديدة، وهي التزام الجمود حتى تستشيط أوروبا غضباً في النهاية.

كما لو كان الرئيس أوباما يحذرهم، بالقول: «إننا لا نأبه بعملية سفك الدماء التي يمارسها الرئيس الليبي معمر القذافي، إذا لم تكونوا أنتم الأقرب بكثير إلى ذلك، لا تأبهون». سوف تكون كل من صحيفتي «غارديان» البريطانية و«لوموند» الفرنسية أيضاً، في أنباء الحرب الليبية، أكثر انشغالاً بالتعليق على «الانتصارات» الأنغلو فرنسية، ويثيرون القلق حول الامتيازات النفطية الأوروبية، بهدف توجيه التهم المعتادة ضد أميركا بالنزعات الامبريالية والاستعمارية والعسكرية. لقد عدنا تقريبا إلى عالم أزمة السويس في عام ‬1956.

ثالثاً؛ كان العراق مقدمة لليبيا. يشكو المحافظون من تلك المعارضة السابقة، لا سيما من جانب عضوي مجلس الشيوخ آنذاك باراك أوباما و«جو بايدن»، لسياسات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الخاصة بمكافحة الإرهاب، والحروب في أفغانستان والعراق، باعتبارها أكثر حزبية منها معارضة قائمة على المبدأ. أنهى أوباما هذا النقاش من خلال إظهار أنه بمقدوره ليس فقط تبنى، أو في بعض الأحيان التوسع، في اللجان القضائية من عهد بوش وتشيني والاعتقالات وعمليات الترحيل والهجمات الوقائية، والتنصت والتجسس على المكالمات الهاتفية، ومعتقل غوانتانامو، لكنه الآن يشن هجوماً استباقياً على دولة عربية مصدرة للنفط، دون خوف من هوليوود، أو من تخفيضات الكونغرس، أوحملة الدعاية «الجنرال يخوننا» التي أطلقها موقع «موفأون. أورغ»، أوالتقارير الإخبارية التي تقرأها «سيندي شيهان» في نشرات الأخبار المسائية، أو الروايات الشبيهة «بنقاط التفتيش». باختصار، قد ضمن أوباما أن الحركة الغاضبة المناهضة للحرب، لن تكون أبدا على الوضع نفسه.

رابعاً؛ الدكتاتور في زمن التعافي. ظلت عائلة القذافي تتودد إلى الغربيين من خلال أموال النفط والطروحات المتعلقة بالتعددية الثقافية. في السنوات القليلة الماضية، أطلق البريطانيون سراح مفجر طائرة لوكيربي وهو مواطن ليبي، واشترى سيف القذافي، الفنان المزعوم والباحث ونجل الرئيس الليبي معمر القذافي، درجة الدكتوراه من كلية لندن للاقتصاد المرموقة، وقامت مجموعة «مونيتور» المثيرة للمتاعب التابعة لـ«هارفارد» باستئجار «علماء» متعطشين للمال، لكتابة عبارات تبجيل لإنجازات القذافي، وحصلت المغنية «ماريا كاري» وفرقة «‬50 سنت» و«بيونسيه» وفرق الترفيه الأخرى، على كومة من الدولارات من أجل الغناء أمام القذافي. ثم، فجأة، أفسد أوباما المتعة والأرباح من خلال تحويل صورة القذافي من وحش أعيد تأهيله، إلى الصورة القديمة «الكلب المسعور للشرق الأوسط» في عهد الرئيس الأميركي الأسبق «رونالد ريغان».

خامساً؛ الأسوأ يحدث. فقد أدان كثير من مؤيدي الحرب في العراق، سجن أبو غريب بوصفه كان يتم الإشراف عليه على نحو رديء، وأنه كان خارج الرقابة. وأدى التراخي في الرقابة الأميركية إلى الإذلال الجنسي للمتمردين العراقيين المعتقلين. وكانت واقعة مؤسفة، على الرغم من أنه لم يقتل أحد خلالها، أي أحد، لكنها ألقت بظلالها على مصداقية مسؤولين في الإدارة الأميركية. لكن في حين أن وسائل الإعلام كانت تغطي القصف على ليبيا والانتفاضات في الشرق الأوسط، تم إعدام عدد من المدنيين الأفغان على يد قلة من الجنود المارقين الأميركيين. كان ذلك العدوان أسوأ بكثير من أي شيء حدث في سجن أبو غريب في عهد بوش، لكنه على ما يبدو حادث يمكن تجاهله، بمقياس مناخ وسائل الإعلام الجديدة. جعل أوباما مقولة «الأسوأ يحدث» دفاعا مشروعاً عمن يبذلون قصارى جهدهم لإدارة حرب من واشنطن.

سادساً؛ الحرب مجهدة فعلاً. وجّهت وسائل الإعلام اللوم بانتظام للرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، المفترض أنه كسول، على تراخيه تجاه الخارج خلال العمليات العسكرية. وتم انتقاد جورج بوش على اللهو في مزرعته في تكساس، في حين كان الجنود الأميركيون يقاتلون ويقتلون في العراق. واعتبر أوباما جميع هذه الانتقادات الرئاسية مجرد تفاهات غير مبررة، عندما بدأ القصف الجوي في خضم ممارسة رياضة الغولف، بما يعوق بطولة كرة السلة الأميركية للمحترفين، آخذاً عائلته إلى ريو دي جانيرو.

سابعاً؛ الطريق إلى دمشق؟ بعد تدخلات بوش في العراق وأفغانستان، اعتقد العديد من الأميركيين الذين أنهكتهم الحرب، أننا لن نتورط أبداً مرة أخرى في حرب في الشرق الأوسط. لكن الآن، مع القصف الوقائي الذي شنه أوباما على ليبيا، فإن دعاة التدخل الأميركي الطائشين، يتطلعون مرة أخرى إلى دول أخرى في المنطقة، وما وراءها!

باختصار؛ أحدث أوباما انقلاباً رأساً على عقب في أميركا عندما قصف ليبيا، وبطرق لم يكن بوسعنا أن نتصورها.