لا نبالغ إذا زعمنا أن آفة المخدرات بين أبناء مجتمعنا الخليجي عامة، من أخطر معاول الهدم الاجتماعي، لأنها تسلط سهامها نحو أساس هذا البناء وهم الشباب، وتجندهم ليكونوا أصفاراً بلا قيمة، بل أرقاماً سلبية في معادلة النهوض والتنمية والتقدم.

وبين جهود البناء الاجتماعي الفاعل القائم على الاستفادة من جميع الطاقات وحصد الثمار الإيجابية لهذه الجهود، يتربص الكثير من العقبات التي يحرص واضعوها على زرع أسافين الخلخلة الاجتماعية في النسيج الواحد، ومحاربة الوطن في شبابه عبر تحطيمه ذاتياً وشلّه اجتماعياً وتغييبه إنسانياً، ليكون عنصر هدم بدل أن يكون أداة بناء، وليتحول في استمرار غياب عقله وتلاشي سيطرته على نفسه، إلى بؤرة فساد لا تسهم إلا في المزيد من الانحراف. والمجتمعات الناهضة تدرك أهمية الشباب ووزنهم في معادلة التنمية، وتقدِّمهم في خطط العمل الاجتماعي على جميع الحسابات، وتعلم أنهم الركيزة القادرة على إحداث التغيير نحو الأفضل إذا أحسن المجتمع استثمارهم وتوجيههم، كما أنهم في نفس الوقت قنابل موقوتة إن تمكنت منهم أسباب الفساد والضياع.

وستظل قضية المخدرات حاضرة مطروقة، ما دام أن هناك من يحاول ولا يزال اقتناص طاقات الشباب وزجها في غياهب النسيان، وستبقى الجهود المؤسساتية والاجتماعية والتربوية، على اختلاف مشاربها وإمكاناتها، الترياق القادر على شل تأثير تلك السموم الاجتماعية ومحاصرتها وتدميرها.

قبل أيام تنادى المهتمون الخليجيون بملاحقة آفة المخدرات، واجتمعوا في أبوظبي لبحث تطوير سبل ملاحقة هذه المشكلة التي بدأت تئن منها المجتمعات الخليجية، وأجمعوا على أن يداً واحدة في إنقاذ مجتمعنا لا تكفي، بل لا بد من التكامل في الجهود والاستفادة من الخبرات وتطوير الآليات، وكل ذلك في سبيل الحد من تغول هذه المشكلة، وملاحقة عصابات تهريب المخدرات وضبطها.

وهنا تبدأ مشكلة أخرى تتفرع عن الأولى، في نظري، بل تكاد تكون المحرك الأساسي لها والدافع لتوحد جهود تلك العصابات في التركيز على منطقة الخليج.

فالاستقرار الاجتماعي والسياسي في منطقتنا، زاد بلا أدنى شك من الاستهداف الطامع الذي تتحرك على أساسه تلك العصابات، وجعل من هذه المنطقة تربة خصبة للتحرك، مستغلين حالة الانفتاح التي تستلزمها منطلقات النهضة والحضارة، والسماح لجهود العمل بأن تأخذ أقصى مدى لها في نسيج المجتمع، إلا أنهم غفلوا عن أن الانفتاح لا يعني أبداً التسيب، وأن قبول مكتسبات الآخر لا يعني الأخذ الأعمى لكل ما يصبغ حياته، وأن منطلقات الهوية أعمق في تجذرها من فتات الحضارات.

نعم، لا نبعد كثيراً عن الواقع إذا جزمنا بأن عصابات ترويج المخدرات بين شبابنا، إضافة إلى بحثها الوضيع عن الربح المادي بأساليب رخيصة، إلا أنها أيضاً إنما تدار من شبكات أخبث، غايتها أكبر من شاب مدمن، لتصل إلى مجتمع منحل بلا حاضر ولا مستقبل، تسهل عندئذ برمجته كما يريد أصحاب الأطماع.

كان هذا الاجتماع الذي احتضنته أبوظبي قبل أيام، هو الاجتماع الخامس والعشرون لمسؤولي مكافحة المخدرات، حيث أكدوا خلاله على أهمية التوعية ودور وسائل الإعلام في هذا الشأن، فضلاً عن استمرار تطوير وتحسين قدرات أجهزة المكافحة في التصدي لكافة أشكال التهريب والترويج للمخدرات.

فمؤسسات التوعية المختلفة مطالبة بتعميق رؤيتها إلى حجم المشكلة، ورؤيتها في إطارها الصحيح، بعيداً عن فكرة شاب طائش مريض سقط في براثن المخدرات، لأن هذا أمر لا يكاد يخلو منه مجتمع إذا بقي في إطاره الفردي القائم على ضعف الشخصية، إلا أنه يصبح من الخطورة بمكان إذا أصبح أداة ترتب لها عصابات محترفة، أقل أهدافها تكثير المدمنين وأخطر مراميها سلب المجتمع قدرته على الاستمرار في النهوض وشغله بذاته، لينعزل عن نسيجه العربي في دوامة المخدرات والفساد.

والقضية تبقى قليلة الأثر ما دامت محصورة في إطارها المؤسساتي الروتيني، الذي ينتهج الأساليب المعروفة في الملاحقة وقمع الترويج والتوعية التنظيرية المجردة، إلا أنه يأخذ بعداً أعمق في التأثير إذا أصبح الشباب المستهدفون أصلاً بهذه الآفة، هم عماد حملات مكافحة المخدرات والقائمين عليها والعاملين على ملاحقة أربابها والساعين إلى نشرها، لأنهم الأقدر على الوصول إلى شرائح الفئة المستهدفة. ولذلك وجب التركيز على تطوير جهود الشباب في منظمات اجتماعية موحدة الجهود، تتابع بعلم أساليب انتشار المخدرات، وتلاحق بوعي الثغرات التي يدخل منها المروجون، وتسعى بإخلاص لحماية المجتمع الخليجي من المتربصين باستقراره وأمنه ونسيجه الاجتماعي الفعال للبناء.