في أول زيارة لرئيس حكومة الثورة الشعبية المصرية إلى الخارج قام الدكتور عصام شرف على رأس وفد وزاري كبير بزيارة للسودان الشقيق بشماله وجنوبه ذات دلالات بالغة الأهمية قرأها باهتمام جل المراقبين السياسيين، ولم تبصرها بوضوح معظم نظارات المراقبين الإعلاميين، رغم كونها زيارة تحمل رسالة شعبية مصرية لكل من يهمه الأمر، سواء في شمال وداي النيل وجنوبه أو في المنطقة العربية أو في القارة الأفريقية تصحيحية وتاريخية وإستراتيجية. هذه الزيارة التصحيحية، التي جاءت في الوقت الصحيح وفي الاتجاه الصحيح.

وبالتمثيل الصحيح من القاهرة إلى الخرطوم، والتي تلت أول زيارة لرئيس الحكومة المصرية إلى ميدان التحرير، حيث جماهير الشعب المصري التي صححت بثورتها الحضارية جل المعادلات المختلة في الساحة المصرية، توجهت نحو السودان الشقيق برسالة تصحيح لكل المعادلات المختلة في العلاقات التاريخية والطبيعية والأزلية بين الشعب المصري بكل ألوان الطيف السياسي فيه والشعب السوداني بكل ألوان الطيف السياسي فيه تقول للجميع: «لا يصح إلا الصحيح «.

وهذه الزيارة التاريخية، ذكرتنا حرارة الاستقبال الشعبي والرسمي السوداني فيها للوفد المصري الشعبي والرسمي في الظروف الصعبة للبلدين، بالاستقبال التاريخي الأسطوري الشعبي السوداني للزعيم العربي الخالد الذكر جمال عبد الناصر في أعقاب هزيمة يونيو العسكرية عام ‬67 حين استضافت الخرطوم القمة العربية التاريخية التي عبرت بلاءاتها الثلاث الشهيرة ( لا استسلام ولا صلح ولا اعتراف بإسرائيل )..

وهي اليوم جاءت بعد حدثين تاريخيين فاصلين في كلا البلدين الشقيقين، الأول، بعد ثورة ‬25 يناير الشعبية التي استعادت روح مصر ودور مصر ومكانة مصر لشعبها ولأشقائها ولأصدقائها ولجيرانها الطبيعيين، ببعد نظر لا حدود له وجه بوصلتها في الاتجاه الصحيح من الشمال إلى الجنوب.ومن الغرب إلى الشرق، فلم تعد مصر بعد ‬25 يناير هي مصر قبله حين كان النظام السابق بقصر نظر لا حدود له لا يرى لمصر قبلة ولا وجهة إلا الغرب بدلا من الشرق الذي هو قلبه وإلا الشمال بدلا من الجنوب الذي هو رائد فيه، محاولا طمس روحها، وتقزيم دورها، والإساءة إلى مكانتها في قلب دوائرها الطبيعية الثلاث «العربية، والإسلامية، والأفريقية»..

والثاني، بعد استفتاء ‬9 يناير الانفصالي الذي نجحت فيه الدوائر الاستعمارية بتنفيذ مؤامرة التقسيم الثانية الأميركية والصهيونية بداية بالعراق والسودان والبقية تأتي لتجزيء الأجزاء الوطنية، استكمالا لمؤامرة التقسيم الأولى الأنجلو فرنسية لتجزئة الأمة العربية.

ورغم أن ما جري في السودان من تقسيم بين الشمال والجنوب كان محنة في جانب لكنه كان منحة في الجانب الآخر، فلقد كان إنهاء للاقتتال الأهلي الدامي وفتحا لباب التعاون بين شطري السودان على أسس جديدة تحت راية السلام، وكان أيضا استعادة كل شطر لخصائصه الطبيعية الأفريقية العلمانية في الجنوب والعربية الإسلامية في الشمال.

وهذه الزيارة الإستراتيجية التي حققت نتائج عالية سواء بتوقيع الاتفاقيات التكاملية التي تعزز من علاقات البلدين الشقيقين السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في مجالات الأمن الغذائي والأمن المائي وأمن الطاقة والاتصالات والمواصلات والتعليم العالي، لاتقتصر أهميتها الإستراتيجية من هذه الاتفاقيات.

وإنما من كونها مثلت اختراقا لجدار وهمي من الروح الانفصالية والانعزالية بين شمال الوادي وجنوبه المراد تكريسها بين كل أجزاء الوطن العربي. وهي زيارة استراتيجية بامتياز، خصوصا حين ندرك ما خططت له إسرائيل بمشاركة أميركية وانجليزية ليس فقط لفصل مصر في شمال الوادي عن السودان في جنوبه.

ولا في فصل جنوب السودان عن شماله، بل أيضا حين ندرك ما تخطط له حاليا تلك الدوائر المعتدية والمعادية على واقع ومستقبل كل من مصر والسودان سواء بالفتن الطائفية أو العرقية أو السياسية لإبقاء كل منهما بعيدا عن الآخر ولإبقاء كل منهما قابل للتقسيم وضعيف وغير فاعل سواء لمصلحة شعبه أو في أن يشكل قوة فاعلة لمنع التهديد الإسرائيلي أو العدوان الغربي الفاعل الوحيد الآن على امتداد الساحة العربية !

«إن إضعاف الدول العربية الرئيسية بشكل عام، واستنزاف طاقاتها وقدرتها هو واجب وضرورة من أجل تعظيم قوة إسرائيل وإعلاء منعتها في مواجهة الأعداء، وهو ما يحتّم عليها استخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة أخرى» والكلام على لسان آفي ديختر وزير الأمن الإسرائيلي السابق.. وفي وثيقة صهيونية أخرى نشرتها مجلة «كيفونيم» لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية عام ‬1982: وهي «الوثيقة الصهيونية لتفتيت الأمة العربية»، جاء فيها:

ان مصر المفككة والمقسمة، على عكس ما هي عليه الآن، سوف لاتشكل أي تهديد لإسرائيل، بل ستكون ضماناً للأمن والسلام لفترة طويلة، وهذا الأمر هو اليوم في متناول يدنا.

- ان دول مثل ليبيا والسودان والدول الأبعد منها سوف لا يكون لها وجود بصورتها الحالية، بل ستنضم إلى حالة التفكك والسقوط التي ستتعرض لها مصر. إن تفتيت لبنان إلى خمس مقاطعات إقليمية يجب أن يكون سابقة لكل العالم العربي بما في ذلك مصر وسوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية.

رغم ذلك كله، وفي مواجهة ذلك كله، وحيث الطريق الآن سالك بعد إزالة العقبات، وإشارة المرور بين القاهرة والعواصم العربية والإسلامية والأفريقية أصبحت خضراء بعد الثورة المصرية، فإن هذه الزيارة التاريخية التصحيحية الإستراتيجية تنطلق من حقيقة استراتيجية تقول: «مصر كانت وستبقى هي العمق الاستراتيجي للسودان، والسودان كان وسيبقى هو العمق الاستراتيجي لمصر»، فهذه هي إرادة الشعبيين الشقيقين في البلدين العربيين ولو كره المتآمرون الصهاينة المتربصون بالوحدة الوطنية وبالوحدة العربية والإسلامية والأفريقية.