رغم الجدل السابق والسجال اللاحق، جاء تصويت الشعب المصري بـ «نعم» بنسبة 77٪ في أول استفتاء جماهيري بعد ثورة 25 يناير الشعبية على التعديلات الدستورية للمواد الثماني التي ستكون أساس الإعلان الدستوري الذي سيصدر لاحقا في هذه المرحلة الثورية، لتفتح الطريق في سنة أولى ديمقراطية نحو استكمال بناء المؤسسات الرئاسية المدنية والتشريعية البرلمانية في انتخابات لاحقة، في أجواء جديدة في مصر الجديدة، تتسم بالحرية السياسية والنزاهة الانتخابية، وهو الأمر غير المسبوق في الانتخابات والاستفتاءات السابقة على الإطلاق.
وبينما رأته الأغلبية الشعبية التي عبرت عن نفسها بالتصويت الإيجابي في الاستفتاء بحرية وشفافية «عيدا للديمقراطية»، توقاً للانتقال السريع إلى الحكم المدني والاستقرار السياسي ولوقف نزيف الاقتصاد المصري، وتفريغا للقوات المسلحة المصرية لدورها الأساسي لحماية الحدود المصرية خصوصاً الشرقية والغربية بعد أن أدت واجبها كأحسن ما يكون الأداء لضمان المطالب المشروعة للشعب المصري التي رفعها في ثورة يناير الديمقراطية، وخروجا من الدائرة المفرغة للجدال الطويل المتوقع حول دستور جديد، بما يطيل الفترة الانتقالية للحكم العسكري الاضطراري، رأته الأقلية الشعبية التي عبرت عن نفسها بالتصويت السلبي بحرية وشفافية «مأتماً للديمقراطية» انطلاقا من أن التصويت بنعم يعتبر إحياء لدستور 1971 الذي سقط بمنطق «الشرعية الثورية»، وخوفا من أن التصويت المتسرع في الاستفتاء قد لا يمكن التيارات والأحزاب السياسية الجديدة من طرح أفكارها على عموم الجماهير المصرية.
وبما يمكن بقايا الحزب الوطني والتيارات الإسلامية من التأثير الأكبر على رأي الجماهير بما لها من تنظيم أقوى في الشارع السياسي، وطلبا لصياغة دستور جديد يحمل القيم الجديدة لمصر الجديدة ويعكس إرادة الجماهير الشعبية التي جمعت كل ألوان الطيف السياسي والديني المصرية في ميدان التحرير وكل ميادين التحرير في المحافظات المصرية. وربما كانت فكرة التعديلات حسنة، وأسبابهم في ذلك كانت لها وجاهتها ومنطقيتها في رأي نحو 14 مليون ناخب، مثلوا الغالبية الشعبية التي زادت عن أكثر من ثلاثة أرباع إجمالي المصوتين، والذين بلغ عددهم في الاستفتاء الأخير أكثر من 18 مليون من بين 45 مليون ناخب، بنسبة إقبال على التصويت تزيد عن الأربعين في المئة، وذلك لأول مرة في تاريخ الاستفتاءات المصرية، حيث لم تصل نسبة الإقبال على التصويت في إي انتخابات أو استفتاءات سابقة في أغلب الأحوال عن 15٪، وهو ما يظهر الفارق الكبير بين استفتاءات الماضي الدستوري واستفتاءات الحاضر الثوري. استفتاءات وانتخابات الماضي بنسبة الإقبال الضئيلة عليها، وبغياب الضمانات الواقعية، كانت مشوبة بالتزوير والبلطجة والقمع الأمني والإرهاب الإعلامي والسياسي للمرشحين المعارضين، بحيث لم تعكس النتائج فيها أبدا حقائق التصويت الانتخابي، بما يسرق الإرادة الشعبية ويختطف السلطة التشريعية والتنفيذية لصالح الأقلية المتسلطة على حساب الإرادة الشعبية الحقيقية.
بينما رأينا في استفتاء الحاضر الثوري بما توفر له من الضمانات القضائية واعتماد التصويت ببطاقة الرقم القومي لأول مرة، وبوجود الإشراف القضائي، وغياب الإرهاب السياسي والقمع الأمني والترهيب الإعلامي، وفي ظل أجواء الحرية والنزاهة والشفافية والثقة، بما جعله أول استفتاء مصري حر لا تعرف نتائجه مسبقا لأي من المراقبين كما كان يحدث من قبل في العهد السابق.. إلا أن ذلك لا ينفي وجاهة ومنطقية الأسباب التي دفعت المصوتين الذين بلغ عددهم أكثر قليلا عن ثلاثة ملايين ناخب مثلوا الأقلية النخبوية التي قلت بكثير عن ربع عدد المصوتين بالتصويت بـ «لا»، وهي النخبة السياسية الليبرالية واليسارية والعلمانية، وعموم أحزاب المعارضة والتي ضمت معها النخبة القبطية المطالبة بدستور جديد تعيد فيه النظر خصوصا في المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الإسلام دين الدولة، وربما كان ذلك الجدل العبثي في الوقت غير المناسب وبالأسلوب غير المناسب حول تلك المادة بالذات هو ما أثار نفور الغالبية الشعبية والتصويت بنعم، حيث كانت تلك الأغلبية تضم الأكثرية السياسية من التيارات الشعبية العادية والوطنية والقومية والتي ضمت معها غالبية التنظيمات الإسلامية.
لقد بشرت ثورة 25 يناير الشعبية بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وطالبت بها، ووعد المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية بضمان تحقيقها ديمقراطيا عن طريق تلك التعديلات الدستورية في استفتاء حر لم يشكك في نزاهته أحد من الذين قالوا لا أو الذين قالوا نعم، لتفتح الطريق للتغيير الثوري، والانتقال الديمقراطي وصولا إلى «الحكم المدني « أي غير العسكري وفي ظل الشرعية الدستورية عبر النص على تشكيل جمعية تأسيسية بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية لتأسيس دستور جديد في أجواء الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فالحرية في تصور سهل هي حرية التعبير والحريات الأساسية، والديمقراطية هي حرية الاختيار والمشاركة في صنع القرار، والعدالة الاجتماعية هي حق المساواة الاجتماعية والمشاركة في الثروة الوطنية وعوائد التنمية بعدالة بلا أي امتيازات طبقية.
ولهذا فلعلي لا أرى فيما جرى حتى الآن من تغييرات وتعديلات سياسية ودستورية وتحقيقات قضائية في الجرائم السياسية والاقتصادية وقضايا الفساد بعد ثورة 25 يناير وحتى الآن، إلا خطوات تدريجية انتقالية في اتجاهات مرغوب فيها لدى الغالبية الشعبية المصرية التي جعلت من الثورة حقيقة واقعية وليس مجرد مظاهرات شبابية أو فئوية أو سياسية من لون واحد، في اتجاه إعلاء صوت الحرية وعرس للديمقراطية التي تعني بكل وضوح وبعيدا عن الصراخ غير المبرر، أو المهاترات الإعلامية الملونة ممن يرون في العرس مأتما، أن رأي الغالبية الشعبية لابد أن يحترم بعد ظهور النتيجة، وإن كان الجدال والسجال مبررا قبلها، ففي الديمقراطية لابد أن تحترم الأقلية إرادة الأغلبية، وإلا فعن أي حرية أو ليبرالية أو ديمقراطية تتحدثون؟!