لا يقوى الحاكم العربي المُستبد على النظر إلى أبعد من أنفه.. لا يقوى على قراءة التاريخ السياسي القريب، ناهيك عن البعيد. واللافت أيضاً أن مستشاري السوء من حملة المباخر، يوهمون الحاكم المستبد ويميدون بأقدامه صوب التهلكة. هكذا دأبوا دوماً، وهكذا يفعلون، ولنا في التاريخ القريب والبعيد عبرة وأي عبرة.
بالأمس القريب كان الدكتاتور «سياد بري» يُرغم مواطنيه على التغني بأمجاده الواهمة، وهم يرددون آناء الليل وأطراف النهار نشيد «القائد المنتصر محمد سياد بري»، وترجمة ذلك النشيد سيئ الصيت الذي كان يردد في كل محفل جماعي، على هذا النحو: «سياد.. يا قائدنا المنتصر.. يا نبع المعرفة، يا أشجع الشجعان.. لقد مضيت بنا على طريق الازدهار الاشتراكي، حيث البهاء والأنوار الساطعة. إن شبابنا وشغيلتنا يتضافرون.. يقفون إلى جانب ثورتهم.. يعتدّون بما سيصدر عنها».
ذلك النشيد تحول في أقاليم الصومال المختلفة، إلى واجب جبري يكرره التلاميذ في الطابور المدرسي، والموظفون في أعمالهم، وحتى رواد دور السينما قبل بداية كل فيلم. كان ذلك تعبيراً صاعقاً عن مدى الاستباحة المعنوية لملايين الصوماليين المقهورين بالجوع والفقر والمرض، وكان الدكتاتور يستمتع بتقارير المساء التي تخبره بأن كل شيء على ما يرام في العاصمة، فيغفو قبيل الفجر، وحالما يصحو من نومه عند منتصف النهار يباشر تنفيذ هواياته اليومية، وأبرزها توزيع العطايا، بالتوازي مع توزيع صكوك السجن والاعتقالات، حتى أنه كان يقيل الوزير إذا حلم به في الليل!
السيناريو الذي جرى في الصومال على عهد سياد بري، يذكرنا بما جرى ويجري في بلدان عربية مشابهة، فالوحدة الصومالية الطوعية التي تمت بعد استقلال الشطرين الجنوبي والشمالي، تحولت عند الشماليين إلى نزعة انفصالية حادة في الإقليم الشمالي (هرجيسا ونواحيها)، بعد أن تأكد الشماليون أنهم إضافة اعتيادية لملايين المسحوقين الجنوبيين، وكان من الطبيعي والأمر كذلك أن يستنجد الشماليون بموروث حنينهم للفترة الاستعمارية الإنجليزية، التي سبقت استقلال الشطرين ووحدتهما. واليوم وبعد مرور أكثر من عقدين على الحرب الأهلية المدمرة في الصومال الجنوبي، ما زال الشماليون يعتبرون أنفسهم خارج التسوية والدولة الافتراضية.
هذه القناعة تعيدنا إلى تلك الحقيقة المريعة، فبعد أن عبر بعض الشباب في الإقليم الشمالي عن رفضهم لنظام سياد بري، جاء رد النظام سريعاً وحاسماً ولسان حال الجنرال يقول: لا بد من ضرب المتمردين في أوكارهم. وهكذا تم قصف مدينتي «هرجيسا» و«برعو» بالطائرات والدبابات، وكانت النتيجة التي لم يتوقعها أشاوسة النظام. لقد بدأت متوالية رفض شعبي تطاول حتى وصل إلى تخوم العاصمة الحصينة «مقديشيو»، مُؤذناً بالسقوط المريع للدكتاتور ونظامه. ولكن، ويا للحسرة، بدأت متوالية الحرب الأهلية العدمية لتجعل الصومال مثالاً نمطياً لفشل الدولة والنخب السياسية، ولتحولها إلى ساحة مفتوحة لتجارة المخدرات والسلاح والقرصنة الإقليمية والدولية.
وحدة الشمال والجنوب الصوماليين، لا تختلف من حيث مُقماتها ونتائجها عن حالات عربية مماثلة. فقد تمت تلك الوحدة بالتراضي التام، والاندفاع المؤكد لترجمة الرغبة الشعبية، غير أن فساد النظام أفسد الوحدة في قلوب وأفئدة الناس، وفاضت الأيام بمتاهات السلطة التي انفردت بالثروة والمقدرات.
في اليمن تشابه حرب النظام والحوثيين مع الحالة الصومالية على عهد سياد بري، فقد أعادت حرب صعدة إلى الذاكرة ذات الحرب المعلنة من طرف سايد بري ضد «متمردي» الشمال، فيا لها من مصادفات ترينا مكر التاريخ وقوانينه الموضوعية.
وفي السودان بدا شغف الجنوبيين للانفصال مفارقاً بصورة جوهرية لاتحادهم الطوعي مع الشمال بعد خروج الإنجليز، وبكل حسن نية.
لم يلتفت النظام العربي إلى عبرة الأقربين المتشاطئين معنا في البحر والبر، بل ذهب مستشارو الغفلة في اعتبار أن الصومال ليست اليمن أو السودان، والآن يقولون إن اليمن ليست مصر وتونس، وبالأمس القريب كانت مصر مبارك تقول إن مصر ليست تونس، وهكذا..
لعب الرئيس الصومالي سياد بري على أوراق متعددة، نذكر منها، مثالاً لا حصراً، ورقة القبائل الصومالية، وتشجيع التنافس السلبي بينهم، ثم ورقة الجيش والأمن الذي استخدمه إلى آخر مداه، وخاصة في حربي هرجيسا ومقديشيو، ثم ورقة المال والافساد، فقد عُرف عنه أنه كان الأمر الناهي، وكانت كلمة منه تحيل الفقير غنياً، والعفيف متسولاً، والمتأبّي خاضعاً.
كان سياد بري على يقين بأنه يُسيطر على الأوضاع، وأنه جمع القوة والمال والنفوذ، وأضاف إلى كل ذلك تمكينه لأسرته النووية الصغيرة من الإمساك بالمقدرات كافة، وتحويل مناصريه ومسانديه إلى مجرد بيادق يحركها كيفما شاء ووقت ما يشاء.
لكن كل هذه التدابير الميكيافليلية، والنزعة المركزية المُشخْصنة في الذات المُترعة بالعنجهية، والعنف المقرون بالإعدامات والسجون، والمال المتدفق بالترغيب.. كل هذه الأمورلم تفلح في إنقاذه ونظامه.. فقد التاريخ مجراه.
نستعيد هذه السيرة الوامضة لسياد بري، حتى نرى بأم أعيننا ما يجري في المنطقة العربية، مُتعجبين من استمراء المُستبدين للإقامة في ذات المقدمات القاتلة، بل والإصرار عليها!