لم يحظ قطاع مجتمعي في الإمارات بالرعاية والاهتمام بالقدر الذي حظي به قطاع التعليم، فلقد كان ولا يزال الركيزة الأساسية التي بنيت عليها نهضة الإمارات ورقيها ودخولها عالم المنافسة العالمية، حتى غدت الجامعات والكليات في الدولة نموذجاً ناجحاً على مستوى المنطقة، أثبت نفسه من حيث حجم الإقبال عليه ومستوى الخريجين في مختلف تخصصاته.
ولإكمال الصورة الحضارية التي تنطلق منها توجهات الإمارات، كانت الجامعات الخاصة في نشأتها واستقطابها، رديفاً حياً للحركة التعليمية، تعمل على النهوض بها وتقديم الآفاق الجديدة المفتوحة لاستقطاب طموحات الطلبة نحو الدخول إلى عالم الاختصاصات المتنوعة، التي تحتاج إليها الدولة وتعزز عجلة التطور والنهوض الحضاري والتنمية على جميع المستويات.
وحين نتحدث عن الجامعات الخاصة، فإنا نتحدث عن ما يقرب من سبعين جامعة وكلية غير حكومية، ينهل من التعليم فيها ما يزيد على خمسة وستين ألف طالب وطالبة. ولا شك أن وجود هذا الكم الكبير من الجامعات الخاصة لا يعني أبداً قصوراً في الجامعات الحكومية، بل هو في حقيقته ترجمة لرؤية الدولة في بناء واحة من المعرفة، وأداة مهمة للارتقاء بمستوى التعليم وتوفير قدر كبير من المرونة والمنافسة، مع اعترافنا بأن عدداً من أفضل الجامعات على مستوى العالم الآن هي جامعات خاصة.
كان هذا الأساس الذي بنيت عليه فكرة دعم سوق التعليم بطيف الجامعات والكليات الخاصة في الإمارات، إلا أنه كان أيضاً مشروطاً باتفاق ضمني تفرضه منطلقات الهوية الإماراتية، بأن تكون سياسة هذه الجامعات والكليات منسجمة كل الانسجام مع ثوابت الدولة التي لا تقبل المساس، وتتوافق مع أصالة الوطن وما يحرص على غرسه في نفس وأبنائه من أساسيات جوهرية.
ولكن الأمر شيئاً فشيئاً بدأ يأخذ منحى آخر ينأى برسالة التعليم عن مسارها الحقيقي، ويصبح ما تقدمه لطلبتها من جرعات تربوية غير متسق مع المنطلقات التي كانت من أجلها مثل هذه المراكز، فالتسيب مثلاً تخطى فيها حدود السكوت عنه، فدخل مرحلة التهاون المقصود المبرمج أحياناً، ليكون عنصراً جاذباً للطلبة إلى رحاب الجامعات الخاصة، ونفورهم من الالتزام الذي تفرضه الجامعات الحكومية التي تجعل الضوابط الإدارية صنو التحصيل الأكاديمي، من دون أن يطغى أحد الوجهين على الآخر، في منظومة تربوية تسعى إلى الارتقاء بالمخرجات التعليمية كماً ونوعاً، وتصنع الخريج الناجح أكاديمياً وإنسانياً. وما يستدعي التحرك لضبط هذا الاتجاه، هو الخوف من أن يصبح ثقافة تطغى على مدركات الطالب الجامعي، ويغدو معه الاجتهاد واللامبالاة في درجة واحدة، لا يهم الأخذ بأي منهما ما دام النجاح مضموناً في تلك الجامعات الربحية. ومثل هذه الأفكار تكون نواة لتداعي أوصال المجتمع بنماذج وشخصيات اجتماعية ضعيفة مهلهلة.
ثم إن السؤال الذي يفرض نفسه على هذا الصعيد، هو أنه لماذا يلجأ بعض الجامعات الخاصة إلى الاعتماد على بعض المسؤولين البعيدين عن كفاءات المنصب المرشحين له، ويتغافلون عن الكثير من المواطنين أصحاب الكفاءات الذين يستطيعون شغل هذا المكان بكفاءة واقتدار وعلى المقاييس الفنية والإدارية العالمية؟ وإضافة إلى ذلك، فإنهم يعرفون ثوابت الوطن أكثر مما يعرفه سواهم، ويستطيعون الوفاء بأداء المهمتين معاً، من حيث العطاء الأكاديمي من جانب، ومن حيث الضخ التربوي التراثي الأصيل من الجانب الآخر، وهو في نظرنا لا يقل أهمية عن الأول.
هذا الذي نحذر منه وندعو إلى إصلاح الخلل فيه، تبرره نظرتنا إلى التعليم الذي نعتقد تمام الاعتقاد أنه الأساس ا يلراسخ الذي تقوم عليه عمليات التنمية الحقيقية في المجتمع. والناظر من دون تحيز إلى مستوى الخريجين في الجامعات الحكومية والخاصة، لا يلحظ الفارق في التحصيل الأكاديمي، بل إن كثيراً من خريجي القطاع الحكومي برزوا وتميزوا على أقرانهم، وهذا يؤكد الحرص الذي تنطلق منه إدارات الجامعات الحكومية على أن تكون علامة مميزة على قدر الثقة الموضوعة فيها، لإعداد وبناء الكوادر البشرية والارتقاء بمستواها ومؤهلاتها، لتكون قادرة على إدارة وتشغيل التنمية وإعداد المواطن القادر على الإسهام الناجح في مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وليشارك بفعالية في إصلاح شؤون مجتمعه، من خلال تعليم هادف وملتزم بالقيم والأخلاق الرفيعة.
والذي يطمئن في الأمر، هو أن الواقع يدلل على رجحان كفة الجامعات الحكومية على الخاصة من حيث حجم الإقبال، فلا تزال الإحصائيات تقول إن الحكومية هي الخيار الأفضل لجميع الطلبة المواطنين في الدولة، كما يؤكد القائمون عليها أنها تمتلك حرية الحركة والتطوير أكثر من الجامعات الخاصة، كونها تضم مجلساً داخلياً يسمى المجلس المهني، أعضاؤه من مختلف القطاعات والتخصصات، ومهمتهم الأساسية وضع الخطط والبرامج المناسبة لتطوير العملية التعليمية، بما يتوافق مع سوق العمل.