تفترض إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أنها قرأت المناخ النفسي الوطني الأميركي بشكل جيد. فهذا الجيل العلاجي من الأميركيين يهوى الحديث عن المشكلات والقلق بشأنها، ومن ثم يفترض أنه إما أن يأتي شخص آخر لحلها، أو أن هذه المشكلات سوف تزول من تلقاء نفسها. ولم لا، ونحن قد واجهنا «أزمات في الطاقة» بشكل دوري منذ عام ‬1974، ويعاني الاقتصاد الأميركي عجزاً في الميزانية خلال معظم السنوات منذ الحرب العالمية الثانية، وقد تم تحذيرنا من الانهيار الوشيك لنظام الضمان الاجتماعي على مدى العقد الماضي، ومع ذلك لا نزال أغنياء وأثرياء!

لكن غالون البنزين يكلف حالياً أكثر من أربعة دولارات في كثير من الأماكن في ولاية كاليفورنيا، ويزيد متوسط سعره على ‬3,5 دولارات على امتداد أميركا. وفي معرض الاستجابة لذلك، يقال إن إدارة أوباما تدرس الاستفادة من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط في البلاد، من أجل زيادة الإمدادات وخفض الأسعار المرتفعة، الناجمة عن تعافي الاقتصاد العالمي والاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط.

مع ذلك، فإن المستودع الاحتياطي لم يتم تصميمه لتخفيف آثار الارتفاع الدوري في سعر الغاز، وإنما لضمان بقائنا خلال كارثة عالمية قد تؤدي إلى قطع معظم واردات النفط من الخارج. وهناك الآن أكثر من ‬700 مليون برميل من النفط المخزون في الاحتياطي. وفي الفترات القريبة من الكارثة، فإن الإمدادات الضخمة من شأنها أن تلبي جميع احتياجات أميركا من النفط لمدة شهر واحد فقط، وسوف تكون تعويضاً لجميع التخفيضات في النفط المستورد لمدة شهرين فقط.

فكيف يكون من الحكمة الاستفادة من هذا الاحتياطي الأساسي ولكن المحدود، لا سيما وأن الإدارة الحالية حظرت الإنتاج الجديد للنفط والغاز في أجزاء كبيرة من خليج المكسيك وغرب الولايات المتحدة؟ بالتأكيد لن تعيد الإدارة النظر في عمليات حفر جديدة، في المناطق الغنية بالنفط في ألاسكا أو أي مكان آخر قبالة السواحل الأميركية. يبدو أن الرسالة الموجهة إلى الأميركيين في هذا الصدد، هي أنه لا بأس من استهلاك النفط القديم المخزون من الأجيال السابقة (حيث بدأ تخزين الاحتياطي في عام ‬1975)، لكن من الخطأ تماما التنقيب عن النفط الجديد ليتم استخدامه في الجيل الحالي.

يشكل هذا النهج نفسه المتمركز حول الذات، الميزانية الفيدرالية. عينت إدارة أوباما لجنة للدين القومي، فقط لكي تتجاهل الآن توصياتها لأنها تعتبر قاسية للغاية. ولكن لاحظوا أن اللجنة لم تدع إلى ميزانية متوازنة لسنوات مقبلة، فقد أشارت إلى أنه بعد ‬26 عاماً فقط من الاقتراض الفيدرالي الضخم، سوف نكون قادرين على ضمان الحصول على نظام للضمان الاجتماعي المالي على المدى الطويل، في نهاية المطاف.

يعرب الرئيس أوباما في كثير من الأحيان عن قلقه إزاء تصاعد الديون، لكنه بعد ذلك زاد الاقتراض السنوي لهذا العام، مما يؤدي إلى مستوى قياسي من العجز السنوي يبلغ ‬1,6 تريليون دولار. وهو يشعر بأن الأميركيين لا يمكنهم تحمل الاقتراض الحالي، ولا تحمل التخفيضات اللازمة في الإنفاق الفيدرالي، ومن هنا جاء الرد، المتمثل في مجرد وعد بأن الاعتدال في الإنفاق مستقبلاً يبدو أنه ذريعة لتبذير أكبر في الوقت الحالي.

هناك فكرتان مكررتان باستمرار، بشأن أزمة الضمان الاجتماعي. إحداهما تتمثل في أننا يتم تلقيننا أن المدفوعات تجاوزت الإيرادات بالفعل. أما الثانية فهي أننا يتم وعدنا بأن الأجيال المقبلة فقط، البعيدة في الوقت الحالي عن سن التقاعد، سوف تضطر إلى العمل لمدة أطول والحصول على أجر أقل لضمان أن النظام موسر.

لكن إذا كانت كل هذه المعادلات صحيحة، فلماذا الانتظار للتحرك؟ لو أن الأميركيين يفترضون أن أطفالنا وأحفادنا ربما تردت أوضاعهم بشكل أسوأ من المواليد في مرحلة الانتعاش، إذن فلماذا لا يعيدون صياغة خطط التقاعد القائمة الآن، إما عن طريق تجميد زيادات تكلفة المعيشة أو زيادة سن التقاعد؟ وإلا فإننا نرسل رسالة مفادها أن جيلاً أكثر ثراء، يمكن أن يطالب بأن يبذل جيل أقل ثراء كل التضحيات.

قد يبدو الأمر وجيهاً من الناحية الإيكولوجية، بأن يتم تحويل نظام الري الفيدرالي عن مئات ألوف الدونمات من الأراضي الزراعية في كاليفورنيا، لضمان تدفق مياه الأنهار على مدار السنة وسلامة الأنواع الصغيرة من الأسماك. وإذا كنا لا نريد التنقيب عن المزيد من النفط، إذن فإن دعم تحويل محاصيل الأراضي في مناطق الغرب الأوسط الأميركي لإنتاج الإيثانول، يبدو بالمثل أمراً له معناه.

لكن عند نقطة ما، فإن هناك شخصاً ما سوف يتعين عليه أن يخبر الناس بأنه كلما تقلصت الأراضي التي تنتج الطعام، تقلصت كمية الطعام لديهم، وزادت التكلفة المدفوعة في ما هو متاح. وفي فترة تصاعد أسعار المواد الغذائية، فإن هذه الرسالة الأمينة نادرا ما يتم إرسالها.

تحتاج الولايات المتحدة إلى كلام واضح مثلما كان يحدث في عهد الرئيس الأميركي الأسبق «هاري ترومان»، بدلاً من أن تبادر كل إدارة بتحميل المسؤولية القومية على التي تخلفها. لا تنقب عن النفط وقم بزراعة المحاصيل الغذائية، وسوف ترتفع أسعار الاثنين على حد سواء. انفق ما لا تملكه، وبعد ذلك سوف تضطر إلى دفع المزيد. فالجيل الذي عانى من أزمة دين، وكان مسؤولاً إلى حد كبير عن أزمة الضمان الاجتماعي، عليه مسؤولية وضع الأمور في نصابها الصحيح.

إن هذا الحديث الصريح يعتبر انتحاراً سياسياً بالنسبة للمرشحين، وفي الواقع، أي شيء أقل من ذلك يعتبر انتحاراً قومياً بالنسبة لنا.