ما زال الجدل محتدماً حول القرار الأخير الذي صدر عن مجلس الوزراء في دولة الإمارات، بشأن السماح للأحداث دون السادسة عشرة بدخول سوق العمل، بموجب تصريح من وزارة العمل.. وكل الدلائل تشير إلى أن المجلس استند الى مذكرة رفعتها وزارة العمل، باعتبارها الجهة المنوط بها استخراج مثل هذه التصاريح، ومن ثم تمت الموافقة عليها.
لقد أثار هذا القرار الكثير من ردود الفعل، واللافت للنظر أن عدد المعارضين للقرار يمثلون الأكثرية.. وأنا أضم صوتي لهم، رغم كل المبررات التي ساقها من يقف وراء هذا القرار، كالقول إن دخول سوق العمل في هذه السن المبكرة، يصقل تجارب الحدث ويزيد من تجربته العملية، وان هذا النمط من التوظيف معمول به على مستوى العالم، وان من عارضوا القرار لا ينظرون إليه من زاوية الكسب المادي فقط وكمساهمة لزيادة دخل الحدث ودعم اقتصاد أسرته.. وذلك بحجة أنه نوع من العمل المرن، أو القول إن عمل الحدث بموجب هذا القرار، لا يتم إلا بعد موافقة ولي الأمر، وفي ذلك ضمانة بعدم حدوث تجاوزات.
هنالك من يدافع عن القرار بحجة أن قانون العمل الصادر عام 1980 قد نص عليه، أي منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلا أن أحداً لم يعمل بهذا القانون.. ويبقى السؤال؛ لماذا لم تفكر وزارة العمل طوال السنوات الماضية في تفعيل هذا البند في القانون إلا الآن؟ وهل دخول الأحداث سوق العمل سيحل قضايا التركيبة السكانية؟
لا يمانع أحد في ضرورة إثراء تجارب الأحداث، خصوصاً في زمن أصبح فيه أطفال اليوم أكثر وعياً وفهماً وإدراكاً لكثير من الأمور، ممن كان في أعمارهم في سنوات سابقة، بحكم المرحلة الحضارية التي يعيشون فيها.. فنحن نعيش في حقبة حضارية حدثت بفعل عوامل عديدة، لعل من أهمها انتشار وسائل المعرفة، واتساع نطاق الإعلام في عهد الفضاء المفتوح والشبكة الدولية العنكبوتية «الانترنيت».. وكلها عوامل جعلت الأطفال أكثر وعياً وفهماً لأشياء كانت تستعصي علينا عندما كنا في سنهم، لكن كل ذلك لا يقف مبرراً لفتح الباب على مصراعيه أمام صغار السن لدخول سوق العمل.
ينشغل هذه الأيام العديد من الدوائر بإطلاق «المبادرات»، وأصبح معظم الهيئات والمؤسسات، في ظل التنافس المحموم للحصول على جوائز الأداء المتميز، تبتكر مبادرات غريبة.. وتزداد تعقيدات هذه المبادرات إذا ما تحولت إلى قرارات دون مرجعية.
إن القرار الصائب كما يرى علماء الإدارة، لا بد أن يمر بعدة مرجعيات قبل صدوره.. لمعرفة دواعي إصداره، والآثار الإيجابية أو السلبية التي قد تترتب عليه.. أما كان ضرورياً إجراء دراسة أو توزيع استبيان لمعرفة آراء الناس قبل إصدار القرار؟
وهنالك نقطة جوهرية ينبغي ألا تغيب عن أذهان المدافعين عن هذا القرار، وهي أن دولة الإمارات العربية المتحدة وقعت على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما أن الدولة تشارك بفاعلية عبر وزارة العمل، في كل الاجتماعات السنوية لمنظمة العمل الدولية (ILO).. كما تشارك تباعاً في أعمال المؤتمر السنوي لمنظمة العمل العربية التي تتخذ من القاهرة مقراً لها، وهي من أكبر المنظمات التابعة لجامعة الدول العربية.. وحسب علمي فقد أصدرت هذه المنظمات العديد من الدراسات حول «عمـالـة الأطفال»، استناداً الى التشريعات والتدابير الدولية الرامية لحماية الأحداث من مغبة دخول سوق العمل في سن مبكرة.. ولا بد أن القائمين بوزارة العمل على علم بالقرارات الصادرة بشأن عمالة الأطفال، على الصعيدين الدولي والإقليمي.. ومن جهة أخرى ما زال المجلس العربي للطفولة والتنمية يجري العديد من الدراسات حول واقع الطفولة العربية، بالتركيز على مخاطر عمالة الأطفال، وكيف أن جاذبية سوق العمل تصرف الحدث تماماً عن متابعة الدراسة.. فنحن نعيش في عصر الاستهلاك، والنقود تغري من يتعامل مـعها، ومن يدخل سوق العمل ويعرف سحر المادة، لن يعود لمقاعد الدراسة.. وهكذا فإن هذا القرار الذي أثار هذا الجدل، في حاجة إلى مراجعة قبل أن نفاجأ بتزايد أعداد الأحداث المتورطين في الجرائم الاقتصادية، وزيادة اعداد المتسربين من مدارسهم.
من جهة أخرى، فإن القارئ لمخرجات الإحصائيات الجنائية في الدولة، لا يغيب عنه أن أعداد الأحداث المتورطين في ارتكاب شتى أنواع الجرائم، في ازدياد.. وربما تكون هذه فرصة سانحة لإجراء دراسة معمقة عن قضايا الأحداث، لأنهم يمثلون شريحة كبيرة قد تصل إلى 50٪ من إجمالي السكان.. فأحداث اليوم هم شباب المستقبل، ولا بد لنا أن نزيد من انتباهنا لقضاياهم، ومراجعة التدابير التشريعية الخاصة بهم، والعمل الجاد لمعرفة تطلعاتهم.. في وقت أصبح فيه الشباب والأحداث يمسكون بزمام الأمور.