يوم الأربعاء الماضي ذهبت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية إلى ميدان التحرير بقلب القاهرة، حيث كان مركز الثورة التي غيرت وجه مصر وأسقطت النظام السابق. وكان في انتظار المسؤولة الأميركية الكبيرة مفاجأة: الأولى أن شباب الثورة اعتذروا عن عدم لقائها تعبيراً عن عدم رضاهم عن موقف أميركا المتردد والانتهازي من الثورة.
والذي بدأ بتأييد بقاء النظام السابق والإعلان بأنه نظام قوي ومستقر وقادر على التعامل مع الأحداث، وانتهاء بالانقلاب على النظام ومطالبته بالرحيل (فورًا.. والآن!!) ثم محاولة سرقة الثورة أو اعتبارها ثمرة للسياسة الأميركية في المنطقة.. سواء ما بدأ في عهد بوش الابن بإعلان الفوضى الخلاقة.
أو ما سارت عليه إدارة أوباما لتحسين صورة أميركا ومخاطبة العرب والمسلمين من قلب القاهرة بحثا عن تفاهم مفقود، لم تنجح الإدارة الأميركية في استعادته بعد تراجعها المهين أمام إسرائيل وفشلها الذريع في ملف القضية الفلسطينية التي اعتبرتها مفتاح كل القضايا في الشرق الأوسط.
ولم يكن هذا بعيدا عن المفاجأة الثانية للوزيرة الأميركية، ففي الوقت الذي كانت فيه تتجول بميدان التحرير، كانت النيابة العامة المصرية تكشف النقاب عن أول قضية تجسس لصالح إسرائيل يتم الإعلان عنها بعد الثورة، وإن كان المتهم (الأردني الجنسية) قد تم تجنيده منذ عامين وتم تكليفه بالتنصت على الاتصالات الدولية، كما زوده «الموساد» الإسرائيلي بأجهزة حديثة لمتابعة الاتصالات الدولية الخاصة بمسؤولين مصريين من مدينة «رفح» شمال سيناء.
المفاجأة الأولى حرمت السيدة الأميركية من الظهور بمظهر راعي الديمقراطية في المنطقة، واضطرت هيلاري كلينتون إلى إرسال رسالة من ميدان التحرير تؤكد فيها أن «ثورة 25 يناير كانت ثورة مصرية خالصة، وأن الشعب المصري هو الوحيد القادر على متابعة تطورات التحول الديمقراطي».
أما المفاجأة الثانية فتذكر الوزيرة الأميركية بما ينتظرها من مصاعب في ملف العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية بعد الثورة. ومع أنها سمعت بلا شك من المسؤولين المصريين ما يؤكد التزام الحكومة الجديدة بالاتفاقات والتعهدات الدولية السابقة، فإنها تدرك أن تصدير الغاز لإسرائيل كان متوقفا منذ الثورة وحتى وجودها في القاهرة، وأن المسؤولين عن عقد الصفقة الخاصة بتصدير الغاز بمن فيهم وزير البترول السابق وربما الرئيس السابق وأبناؤه هم رهن التحقيق أو في الطريق إليه بشأن الصفقة وظروف عقدها وما شابها من فساد.
وهي تدرك أن عملية ديمقراطية سوف تأتي بمن هم أكثر تشددا في مواجهة إسرائيل. وهي تدرك سلبية الرسالة التي أرسلتها الإدارة الأميركية حين ربطت أول مساعدات أعلنت عن تقديمها بعد الثورة باتفاقية «الكويز» التي فرضت شراكة إسرائيل في إنتاج المنسوجات التي تصدرها المصانع المصرية لكي تفتح أمامها الأسواق الأميركية!!
وبعيدا عن «الكويز» ركزت الوزيرة الأميركية في تصريحاتها على المساعدات الاقتصادية والتي وعدت أميركا بتقديمها، ورغم محدودية هذه المساعدات إلا أنها تفتح الباب لاستثمارات أجنبية وعدت الوزيرة الأميركية بالعمل على تشجيع الشركات الأميركية على تقديمها، إدراكا منها بأن التأخر في التعامل مع قضية خلق فرص عمل جديدة لملايين الشباب في مصر أو في غيرها من الدول العربية سوف يؤدي إلى انفجارات جديدة وإلى مناخ أكثر راديكالية يهدد مصالح أميركا في المنطقة.
وبدون مفاجآت.. يبدو طبيعيا أن يغيب الملف الفلسطيني من أجندة كلينتون في زيارتها للقاهرة إلا من أحاديث العموميات عن حل الدولتين (هل تذكرونه؟) وعن تشجيع السلام وإحياء الكلام والتفاوض.. إلى آخر الاسطوانة إياها!! كما كان طبيعيا أن يغيب الملف السوداني مادامت الأمور تسير في طريق إتمام إجراءات الطلاق بين الجنوب والشمال.. ليكون الحاضر الأكبر هو الملف الليبي حيث تستمر المراوغة الأميركية، ليس حبا في القذافي ولا كرها في الشعب الليبي الذي يتعرض للإبادة.
وإنما لضمان أن تكون الأوضاع بعد رحيل القذافي الذي لا مناص منه أوضاعا مواتية لأميركا لها ولضمان ألا تلتقي الثورات الثلاث في مصر وتونس وليبيا في طريق يخلق كتلة لها وزنها في العالم العربي ولها تأثيرها في البحر المتوسط وجنوب أوروبا!! والأهم من ذلك إبقاء الأوضاع في ليبيا عامل ضغط على مصر وثورتها والاحتفاظ بالقذافي كورقة يمكن استخدامها مؤقتا في التعامل مع الموقف، ولحين معرفة المسار الذي تنتهي إليه ثورة مصر والقوى التي ستحسم الأمور لمصلحتها وتحدد ملامح النظام الجديد في القاهرة.
وإلى أن تحسم الأمور، سيظل الموقف كما وصفناه من قبل: يحيون الثورة ويحاصرون مصر!! يقدمون بعض المساعدات ويخلقون المشاكل في السودان وفي ملف النيل من ناحية، وفي إبقاء الأزمة في ليبيا يدفع ثمنها الشعب الليبي من أرواح أبنائه ومعهم مليون ونصف المليون مصري وضعهم القذافي وأبناؤه في صفوف الأعداء المطلوبين (مع الشعب الليبي) للقتل.
من أجل هذا كانت الصورة بالة الدلالة. زارت وزيرة الخارجية الأميركية مصر، وتباحثت مع المسؤولين، ووعدت بالمساعدات، وحيت الثورة، وعندما ذهبت لميدان التحرير كان يزعجها خبر القبض على جاسوس لإسرائيل، وكان يزعجها أن أحداث الفتنة الطائفية قد أمكن تطويقها، وكان يزعجها أكثر أنها لم تستطع أن تلتقط صورة لها في ميدان التحرير مع شباب الثورة الذين رفضوا لقاءها!!