المشاهد الإنسانية المروعة التي تابعها العالم كله على شاشات التلفاز على مدي الأيام السبعة الماضية للزلزال الياباني الرهيب في قلب «حزام النار» الزلزالي، والتي تفوق أكثر الكوابيس رعبا بما يذكرنا بما يمكن أن تكون عليه مشاهد يوم القيامة العظيم في الآخرة، تضعنا أمام ذروة الدراما الإنسانية، وقمة الكوارث البشرية بما يفوق أكبر الحروب دمارا وأكثر الأفلام الهوليودية رعبا، هذه المشاهد جعلت الزلزال الذي هز اليابان يهز في الوقت ذاته وعلى مستويات عديدة العالم كله وبل ويهز الكرة الأرضية.

فقد أدى الزلزال الذي ضرب اليابان إلى إزاحة محور دوران الأرض عشرة سنتيمترات، طبقا لدراسات المعهد الإيطالي للجيوفيزياء ودراسات البراكين، مشيرا إلى أن هذه الحركة «أكبر بكثير من تلك التي سجلت بعد الزلزال الذي ضرب جزيرة سومطرة في ‬2004 وتأتي في المرتبة الثانية بعد الزلزال الذي ضرب تشيلي في عام ‬1960، لكنه لا يقل مأساوية إنسانية عن الزلزال الرهيب الذي ضرب هاييتي في العام الماضي.. والمفارقة أن كلمة «تسونامي» في الأصل كلمة يابانية !

وقد وصف رئيس الوزراء الياباني «ناوتو كان» بحزن بالغ، الكارثة التي وقعت في اليابان من جراء القصف الزلزالي الأرضي الرهيب والهجوم التسونامي البحري المدمر بتداعياتها الكارثية والمأساوية النووية والاقتصادية والإنسانية، «بأنها الكارثة الأسوأ التي واجهتها اليابان منذ الحرب العالمية الثانية» في إشارة إلى القصف النووي الأميركي الرهيب لمدينتي هيروشيما وناجازاكي بتداعياتها المأساوية الهائلة إنسانيا واقتصاديا وسياسيا في أكبر الجرائم الحربية ضد الإنسانية في القرن العشرين.

مع مشاهد هذا الزلزال الطبيعي بأبعادها الكارثية المتعددة على امتداد الساحل الشمالي الشرقي الياباني المدمر كانت هناك مشاهد رهيبة لليأس والدمار. فقد أدى اندفاع جدار المياه إلى تحريك المنازل وجرف السفن إلى الحقول وانقلاب السيارات وتناثر القطارات مثل لعب الأطفال، يبدو الزلزال الاقتصادي الأميركي الذي كان مركزه في «وول استريت» وضربت موجاته الارتدادية العالم كله، كما يبدو الزلزال العسكري الإسرائيلي بهزيمتها في الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة بما تلاه من عواصف ارتدادية سياسية، مجرد هزة أرضية.. هذا الزلزال وهذا التسونامي الياباني بآثاره النووية وبأبعاده الإنسانية قد يفوق في آثاره كل الزلازل العالمية.

وفي حين أكد مسؤولون يابانيون أن ثلاثة من المفاعلات النووية تواجه خطر ارتفاع درجة حرارتها بعد الانفجارات التي وقعت فيها، تثير المخاوف من حدوث تسرب نووي يصعب السيطرة عليه. تبذل اليابان قصارى جهودها والسلطات اليابانية بمعونة أميركية وروسية وعالمية تبذل جهدها لتجنب كارثة نووية، وفي حين بلغت الخسائر الاقتصادية مستويات عالية بما يفوق نحو ‬170 مليار دولار، وتراجع الأداء والإنتاج على كل المستويات، فإن الاهتمام الإنساني العالمي بالخسائر البشرية من الضحايا بلا قبور والمفقودين والمشردين بلا مأوى والجائعين بلا طعام بملايين المواطنين اليابانيين المحرومين من الكهرباء والماء والغذاء والدواء بعد أيام من الزلزال المدمر وموجات المد العاتية التي أودت بحياة أكثر من عشرة آلاف شخص في أكبر مأساة يابانية وأكثر المآسي الإنسانية دراماتيكية، بات يفوق بكثير الاهتمام بكل الخسائر والمخاطر الأخرى، باعتبار أن ما هو إنساني يفوق بكثير ما هو سياسي أو اقتصادي.

هكذا تبدو الكارثة الإنسانية هي الأولى باهتمام الإنسانية كلها في هذه اللحظات مساعدة للشعب الياباني العظيم ــ فقد أشارات التقارير الإخبارية أن ملايين الأشخاص في شمال شرق اليابان المدمر أمضوا ليالي الكارثة دون مياه أو طعام أو تدفئة في ظل درجات حرارة تقترب من التجمد في الوقت الذي يبذل فيه عشرات الآلاف من عمال الإنقاذ جهودا مضنية.

وتتكشف الأزمة الإنسانية على جبهات عديدة من ارتفاع مفاجئ في عدد الأطفال الذين تيتموا حديثا إلى نقص المياه والطعام والوقود والكهرباء إلى طفح المياه في الملاجئ التي تغمرها المياه وعدم انتظام الرعاية للناجين الذين يعانون من صدمات نفسية كما تعطلت الطرق والسكك الحديدية والكهرباء والموانئ في معظم أنحاء شمال اليابان مما تسبب في إعاقة جهود الإغاثة الوطنية والدولية حيث قامت الحكومة بتعبئة ‬100 ألف جندي لتقديم المواد الغذائية والمياه والوقود. وعرضت نحو ‬70 دولة تقديم المساعدات.

ومع ذلك يواجه الشعب الياباني الكارثة بأداء عالي وصبر عظيم، مثلما تحاول الإدارة الحكومية مواجهة الموقف بكل الإجراءات المطلوبة ليعود ثالث أكبر اقتصاد في العالم إلى العمل والإنتاج رغم إصابة الأمة اليابانية بجرح غائر بعد أن استيقظت على بلدات محيت بالكامل من على الخريطة بفعل جدار هائل من مياه المحيط مما أثار استنفار جهودا دولية ضخمة للإغاثة الإنسانية.

ولا يسعنا في هذه المحنة الإنسانية الرهيبة إلا الدعاء إلى الله أن ينقذ الشعب الياباني من كل المخاطر ويحفظ الإنسانية كلها والشعوب العربية والإسلامية من كل الشرور الطبيعية والبشرية، وأن نتوجه إلى أنفسنا بضرورة الانتباه والحذر لتوفير القدرة على مواجهة الأزمات والمخاطر الزلزالية وغيرها، وذلك بإعادة النظر في ضمانات الأمان النووي، والتركيز على الطاقة المتجددة، والتأكيد على اشتراطات البناء المقاوم للزلازل، داعين الله جميعا أن يحمي الإنسان والأوطان من المحيط إلى المحيط وعلى امتداد الكرة الأرضية.

كاتب مصري