وكالة الأونروا وقولبة الوظيفة والمهام

ت + ت - الحجم الطبيعي

في الوقت الذي باتت فيه وكالة الأونروا تعاني من أزمات مالية متتالية، وفي حين ما زالت حاجات الشعب الفلسطيني مرتبطة باستمرار الوكالة في أداء رسالتها ووظيفتها تجاه مجتمع اللاجئين الفلسطينيين، فإن تراجعات ملحوظة باتت هي السمة العامة في برامج الوكالة، في مختلف مواقع وتجمعات اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عمليات الوكالة الخمسة المعروفة، وذلك لعدة أسباب، منها ما له علاقة بزيادة أعداد اللاجئين الفلسطينيين من جانب، ومنها ما يتعلق بتراجع مداخيل الوكالة، إضافة لبروز عامل خفي (ليس جديداً) يتمثل في سعي الولايات المتحدة لإنهاء عمل الوكالة، وإلقاء مهامها على الدول المضيفة للاجئين (سوريا، لبنان، الأردن) إضافة للسلطة الفلسطينية.

فميزانية الوكالة تبلغ حالياً حوالي ‬350 مليون دولار أميركي سنوياً، تدفع الولايات المتحدة أكثر من ‬70 مليون دولار منها. وتجتمع الدول الكبرى المانحة سنوياً لإقرار ميزانية الأونروا، وبحث كل الأمور والمشكلات المتعلقة بعملها. ويتم إنفاق ما نسبته ‬54؟ من ميزانية الأونروا على برنامج التعليم، و81؟ على برنامج الصحة، و‬10؟

على الإغاثة والخدمات الاجتماعية، و‬18؟ على الخدمات المشتركة والخدمات العامة. بالإضافة إلى ما حصلت عليه الوكالة من مساعدات عبر نداءات الاستغاثة المستعجلة التي كانت قد أطلقتها خلال الأعوام الخمسة الماضية. في هذا الإطار، فإن السعي لإلغاء عمل الأونروا وإحالتها على التقاعد ليست بجديدة، بل كانت على الدوام، وتحديداً خلال العقدين الماضيين، مثار جهد كبير من قبل الولايات المتحدة.

حيث سبق وأن تقدم بعض النواب الأميركيين الجمهوريين بمشروع قرار إلى مجلس الشيوخ، حول اللاجئين في «الشرق الأوسط والخليج وشمال إفريقيا»، ركزوا فيه على فكرة «للاجئين الفلسطينيين حقوق وهناك لاجئون يهود لهم الحقوق ذاتها أيضاً»! وتكمن حقوق اللاجئين الفلسطينيين من وجهة نظرهم، في التوطين والمساواة .

حيث هم، في ظل عملية التبادل السكاني التي حصلت بين يهود البلدان العربية الذين هاجروا إلى إسرائيل، وبين اللاجئين الفلسطينيين الذين حلوا في البلدان العربية، وعليه يقترح هؤلاء اعتبار مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، بديلاً لوكالة الأونروا التي يجب إلغاؤها، وفق مشروع القرار المقدم من قبلهم إلى مجلس الشيوخ. إن تلك التطورات ليست معزولة عن الأزمات التي باتت تحيق بوكالة الأونروا، بعد تراجع خدماتها المقدمة لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين.

وبعد الجفاف المتواصل في إيراداتها المالية من الدول المانحة، فالولايات المتحدة الأميركية تعمل منذ عقد ونيف على تمرير القرارات التي تفتح الطريق أمام إنهاء عمل الوكالة، بينما يتمسك ببقائها واستمرارها العالم بأسره، نظراً لما تحمله من دلالات قاطعة تتعلق بحق العودة وحقوق اللاجئين الفلسطينيين، وفقاً لقرار إنشائها عام ‬1949، وهو القرار الذي ربط بين توقفها والحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين على أساس عودتهم إلى أوطانهم الأصلية في فلسطين.

فالأونروا معنية بشكل مباشر، بتوفير خدمات الإغاثة والصحة والتعليم لأكثر من ‬65٪ من أبناء الشعب الفلسطيني، يمثلون الكتلة اللاجئة في الداخل والشتات. ومعنية بشكل أدق بتحقيق ستة أهداف عامة، وهي: تحسين ظروف المعيشة للاجئين الفلسطينيين، والتمتع بحقوق الإنسان إلى أكبر مدى ممكن، وتحسين وتطوير الإمكانيات الاقتصادية، وتحسين ظروف المعيشة للفئات المهمشة، وزيادة قدرات الفرد والمجتمع على استخدام الإمكانيات الموجودة، وتنظيم وإدارة الذات بطريقة مستدامة، وتطوير استراتيجيات التكيف والتأقلم لأكثر أفراد المجتمع الفلسطيني.

وهنا لا يمكن أن نعزل بعض الإجراءات والاقتراحات التي بدأت تحاول تمريرها جهات دولية متنفذة في الوكالة، عن المساعي الجارية لتحويل مهمات الوكالة وإحالتها على التقاعد، ومنها التعليمات التي تضمنتها الرسالة التي وجهها مؤخراً، وتحديداً في السابع عشر من فبراير الماضي ‬2011، مفوض عام وكالة الأونروا في لبنان (فيلبيو جراندي) إلى الموظفين في الوكالة، .

وقد أعاد فيها تحذيرهم من العمل السياسي، منبهاً إلى تحفَّظ الوكالة على مفاهيم وثقافة العودة، معتبراً أن عمل الوكالة إنساني بحت، وأن عودة اللاجئين إلى قراهم ومدنهم وفق القرار ‬194 لم تعد من اهتمامات الأونروا.. علماً أن عمل الأونروا يرتكز على مفهوم خدماتي ومفهوم سياسي، وأن عودة اللاجئين إلى فلسطين المحتلة عام ‬1948، تشكل صلب المفهوم السياسي لعمل الوكالة.

والطامة الكبرى بدأت الآن تطل بنفسها مع التوجهات التي يبدو أن رئاسة الوكالة عازمة على تمريرها في منهاج التدريس لطلاب المدارس، في عموم مدارس الوكالة في مناطق عملياتها الخمس. ففي حين أن التعليمات الصارمة للوكالة تقتضي ابتعاد موظفيها عن العمل في الشأن السياسي، وحتى الابتعاد عن مجرد الحديث عن ثقافة العودة.

ومحاصرة كل نشاط ثقافي أو فني يركز على الصراع مع الاحتلال، فإن مطلباً جائراً آخر يكشف ويفضح المستور، عبر قرار تدريس «قصة الهولوكوست اليهودية» في مدارس الوكالة، كمادة إثرائية لمفهوم حقوق الإنسان، انطلاقاً من أننا «في عصر السلام»، وفق ما ذكره المدير الإقليمي للوكالة في الأردن، وكأن الشعب الفلسطيني يملك ذاكرة مثقوبة، وليست له أذنان تسمعان التفجير ولا عينان تريان ما حل ويحل به إلى الآن. إن محاولات تمرير تدريس «الهولوكوست» لطلاب مدارس الأونروا من جهة، ومنع تدريس أو تسويغ أو تحفيز أو حتى الحديث عن ثقافة وطنية خصوصاً ثقافة العودة، تخفي وراءها فجاجة في السلوك الأميركي والأوروبي الغربي، الذي يقف وراء محاولات إعادة قولبة وكالة الأونروا وإنهاء مهامها، دون تحقيق أغراضها التي نشأت من أجلها.

 

طباعة Email