في هذه الأوقات العصيبة على الميزانية، لماذا علينا أن نقترض الملايين لإعانة أصحاب المشاريع الزراعية المربحة في أميركا؟ العديد من الرؤساء سألوا هذا السؤال من قبل. فقد حاول جورج بوش الأب خفض الإعانات الزراعية في أواخر الثمانينات، وكذلك فعل بيل كلينتون وجورج بوش الابن من بعده. لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل.

ما يسمى «قانون حرية الزراعة» الذي أقر في ‬1996، كان من المفترض أن يوقف إعانات دعم المزارع بشكل نهائي، عن طريق تقديم جزرة تمديد عائدات المحاصيل الزراعية لأصحاب المزارع، بغض النظر عن أسعار السلع الحالية، مقابل وقف تدفق الأموال الفيدرالية، بعد مرحلة انتقالية تدريجية تدوم ‬7 سنوات.

لكن عندما حان وقت الوفاء بهذا الاتفاق، ظهر فجأة منطق جديد على الساحة، وهو منطق أمن مرحلة ما بعد ‬11 سبتمبر. وهكذا عادت إعانات المزارع للظهور من جديد، تحت مظلة «قانون الأمن الزراعي والاستثمارات في الأرياف ‬2002»، بناء على فرضية مشكوك في صحتها، مفادها أن الأميركيين، في ظل المناخ الإرهابي الجديد، بحاجة لضمان ازدهار أعمالهم الزراعية. «الاستثمار» في لغة اليوم المبهمة، أصبح يعني قيام الحكومة باقتراض الأموال، لتوزيعها على جماعات المصالح الخاصة.

وعندما تلاشت المخاوف تدريجياً بشأن الأمن القومي، وبات واضحاً أن الأعمال الزراعية لن تتخلى عن الإعانات، حسب الوعد، على مدى سبعة أعوام، برز تبرير جديد، وهو توفير الوقود لأميركا المتعطشة للطاقة، تحت مظلة «قانون الطاقة والمحافظة على الغذاء ‬2008»، وهو مشروع قانون زراعي بقيمة ‬288 مليون دولار، يتم تطبيقه على مدى ‬5 سنوات، بناءً على افتراض أن المزارعين يحتاجون الآن إلى إعانات حكومية ضخمة لدعم محاصيلهم، من أجل ضمان استقلالهم عن منتجي النفط الأجانب، وعدم تأثرهم بارتفاع أسعار الوقود.

حتى الرؤساء ليس بوسعهم منع الكونغرس من تمرير هذه القوانين الزراعية الفيدرالية غير الضرورية، لأنها تأتي دائماً مبنية على أفكار ومبررات مصاغة بشكل ممتاز. ويحاول مؤيدو الدعم الفيدرالي للمزارعين دائماً تسخير أزمة اليوم لصالحهم، سواء الوعود بخفض العجز في الميزانية أو حماية البلد أو توفير مصادر طاقة جديدة.

وهناك مصلحتان خاصتان منفصلتان تعززان الإعانات الفيدرالية الضخمة، فأصحاب المزارع يطمعون بالمزيد من أموال الدعم الحكومي، بينما صناعة الإعانات الاجتماعية تطمع أيضاً بالمزيد من قسائم الطعام وبرامج الإعانات للأرياف. وباجتماع كلتا المصلحتين معاً، ننفق مليارات إضافية كل عام لإعانة هاتين الشريحتين. فمن في وسعه إيقاف مشروع قانون يدفع به المحافظون في ولاية كنساس، والمنظمون الاجتماعيون في شيكاغو؟ خاصة وأن التشريعات الزراعية الكبيرة طويلة الأمد تبدأ دائماً، على ما يبدو، في وقت الانتخابات الوطنية! من هو ذاك السياسي الذي قد يتجرأ على أن يعمل ضد «عائلات المزارعين» أو «المحتاجين» في الأحياء المدنية؟

لكن حان الوقت الآن لوضع حد للتكسب من وراء إعانات المحاصيل الزراعية، في وقت يقترب فيه العجز في الميزانية السنوية من ‬1,5 تريليون دولار، بينما يتلقى المزارعون أسعاراً قياسية على محاصيلهم في السوق المفتوحة، في عهد مجلس نواب محافظ جديد منتخب على أساس وعوده بالمسؤولية المالية.

احتياطيات محصول الذرة انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ ‬15 سنة، مع ارتفاع الأسعار بنسبة ‬70٪ خلال سنة واحدة. وأسعار القمح العالمية المتصاعدة، والمواد الزراعية عموماً، ترتفع هي الأخرى إلى مستويات قياسية، وتسبب اضطرابات في الشرق الأوسط ومناطق عديدة أخرى. وبعبارة أخرى، فإن تزايد تعداد سكان العالم وتزايد مستويات الرخاء في الخارج، مع ما يصاحبه من تزايد الطلب على اللحوم والخضار ذات الجودة العالية، وتحويل الأراضي الزراعية الممتازة لإنتاج الوقود الحيوي في أجزاء كبيرة من العالم من أوروبا إلى البرازيل، كلها عوامل جعلت زراعة المحاصيل الغذائية عملاً تجارياً مربحاً جداً.

نحن بحاجة إلى إعادة ضبط السياسات الزراعية بشكل جذري، فاستخدام الأراضي الزراعية لإنبات أنواع الذرة الخاصة لإنتاج وقود الإيثانول الحيوي، ليس له أي مبرر منطقي. لماذا نحول الأراضي الزراعية لإنتاج الوقود في وقت يعاني فقراء العالم من نقص في الموارد الغذائية، بينما يوجد مئات الملايين من المناطق غير الصالحة للزراعة في ألاسكا والمناطق القاحلة في غرب الولايات المتحدة وقبالة الساحل الأميركي، لا يتم استثمارها إلا بشكل جزئي لإنتاج المزيد من الغاز والنفط بتكلفة معقولة؟

عندما لا تقوم أميركا الشمالية بتسخير مواردها الخاصة للوقود العضوي بالكامل، ينتج عن ذلك أمران سيئان: الأول، أن جهة أخرى في إفريقيا أو آسيا أو روسيا سوف لن تتوانى عن إيذاء البيئة لإنتاج النفط وتوريده لنا. الثاني أن الأراضي الزراعية الثمينة سيتم تحويلها لإنتاج الوقود الحيوي المكلف، بدلاً من إنتاج الغذاء، وسيدفع مليارات الناس في أنحاء العالم ثمن ذلك.

وحتى الآن لم يستطع أحد من مؤيدي الإعانات الزراعية الضخمة، تفسير سبب تزامن تطبيقها خلال الخمسين سنة الماضية، مع تراجع أوضاع «العائلات المزارعة» بدلاً من ازدهارها. ولم يقدم أحد تفسيراً لقيام الحكومة الأميركية بدعم محاصيل القطن والقمح والصويا والسكر والذرة، دوناً عن البندق أو الجزر أو الدراق مثلاً!

يفترض أن تكون الولايات المتحدة هي الاقتصاد الحر الأول في العالم، على أساس مبدأ أن المنافسة جيدة للاقتصاد، وأن ردة فعل أصحاب المشاريع الخاصة الحرة إزاء متغيرات السوق، تولّد ثروات أكبر عندما لا يمسها الروتين الحكومي. لماذا إذن، يطالب أقطاب الزراعة من المحافظين الحكومة بالتطفل والتدخل بطريقة تحرف أسواق الغذاء العالمية وتلحق الضرر بفقراء العالم، وتساهم في مراكمة ديون أميركا بطريقة غير مستدامة؟

في السنوات القليلة المقبلة، سيتعين على المحافظين خفض الإعانات الاجتماعية والإنفاق الاجتماعي، ولكي يحتفظوا بمصداقيتهم، عليهم أن يطبقوا على الأعمال الزراعية معايير المسؤولية نفسها التي سيتعين عليهم تطبيقها على مجالات أخرى.