مع طلائع مارس من كل عام، تحتفل الاتحادات والمنظمات النسوية باليوم العالمي للمرأة، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثامن منه، تقديراً وعرفاناً بالدور الطليعي الذي تسهم به المرأة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية..
باعتبارها شريكاً للرجل، وعضواً فاعلاً في المجتمع.. لأن المرأة كانت وستظل تمثل نصف المجتمع. وكما هو معلوم فإن أي مجتمع لا يمكنه تحقيق أهدافه التنموية المشروعة وتطلعاته لدخول حلبة التنافسية، إذا كان نصفه معطلاً أو مهمشاً، ولا تتاح له فرص المساهمة في الحراك المجتمعي.
إن القارئ لمسيرة المرأة في بلادنا، لا يفوته إدراك الإنجازات التي حققتها والمكاسب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي حصلت عليها.. وهو ما لم يكن ليتحقق، لولا أن المرأة أثبتت جدارتها وقدرتها على تحمل مسؤولياتها في كافة الميادين الاجتماعية والثقافية والعلمية وغيرها من المجالات.. ولعل ذلك ما مكنها من الحصول على اعتراف المجتمع بحقوقها، ومن أهمها مساواتها مع الرجل في مختلف مناحي الحياة، وفي مقدمتها حق العمل والضمان الاجتماعي والتملك وإدارة الأموال والأعمال، والاستفادة القصوى من خدمات الصحة ورعاية الأمومة والطفولة.. والمساواة في الأجر مع الرجل في العمل، وهو ما أقرته التشريعات الاجتماعية، ومن أهمها قانون الأحوال الشخصية.
ها هي المرأة في بلادي تدخل حقبة الألفية وهي قد سجلت إنجازاتها، متجاوزة العديد من نساء العالم، إذ تمكنت من نيل حقوقها السياسية والدستورية، مما فتح آفاقاً واسعة أمام المرأة لتمضي قدماً وتتبوأ أعلى المناصب في جميع المجالات ومختلف مواقع اتخاذ القرار..
وما زالت الفرص متاحة أمام المرأة لنيل ما تبقى من مناصب وردت في الاتفاقيات الإقليمية والدولية، لعل من أهمها الاتفاقية الدولية لمناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو»، والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، ومخرجات مؤتمر المرأة العالمي الذي انعقد في بكين صيف عام ,1995. وها هي الاتحادات والجمعيات والمنظمات المعنية بقضايا المرأة، تزداد يوماً بعد يوم.. دفاعاً عن قضايا النوع الاجتماعي والتمكين السياسي والاقتصادي، وذلك بصياغة الاستراتيجيات والخطط والبرامج كآليات لتنفيذ الأهداف المعلنة، بل ولتحقيق المزيد من المكاسب والإنجازات التي تعين المرأة في تحسين واقعها واستشراق آفاق المستقبل.. مع التركيز على القطاعات الآتية: خدمات الصحة ـ التشريعات القانونية ـ خدمات التعليم ـ قضايا البيئة ـ خدمات الإعلام ـ الحقوق السياسية ـ العمل ـ الاقتصاد والاستثمار ـ المساواة والنوع الاجتماعي.
في تقديري ما زالت قضية المساواة في النوع الاجتماعي تحتل موقع الصدارة بين قضايا المرأة في بلادنا، مع أن اتفاقيتي «سيداو» و«بكين» والمقررات الإقليمية والعالمية الأخرى، تعتبر مؤشرات مناسبة لقياس التقدم المحرز في عملية تحقيق المساواة وتحسين الفرص المتاحة أمام المرأة..
إن عدم المساواة كان وما زال المصدر الرئيسى للعنف ضد المرأة، ولا سبيل إلى تجاوز هذه الأوضاع إلا بتكاتف الاتحادات والجمعيات النسائية مع المؤسسات الرسمية، والتنسيق التام مع جمعيات النفع العام ومنظمات المجتمع المدنى، وذلك عبر شراكة استراتيجية بين كافة الأطراف.. والمعروف أن 182 دولة من دول العالم، وقعت على الاتفاقية الدولية لمناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة.. وبات على الدول التي وقعت عليها الالتزام بنصوصها، وإيجاد السبل التي تكفل تجاوز أي معوقات تحول دون التنفيذ الفعال للاتفاقية.
وفي ظني أن منظمة المرأة العربية التي تتخذ من القاهرة مقراً لها، تستطيع بالتنسيق الفعال مع لجنة المرأة العربية التابعة لجامعة الدول العربية، إجراء بحث ميداني معمق يغطى كافة الدول العربية، لمعرفة واقع المرأة العربية، وذلك بالتنسيق مع لجنة «سيداو» التي تجتمع مرتين كل عام.. وهنالك من يدعو إلى ضرورة إيجاد معامل ارتباط بين الأهداف الإنمائية للألفية، باتفاقتي «سيداو» و«بكين» وقرارات وتوصيات مؤتمرات اقليمية ودولية تصب في ذات الاتجاه.
إن الاحتفال بيوم المرأة العالمي مناسبة ينبغي أن تكثف فيها الجهود المحلية والإقليمية والدولية، من أجل كسب الرأي العام للوقوف مع قضايا المرأة التي ما زالت تراوح مكانها.. فما زال العديد من التشريعات الاجتماعية بحاجة ماسة إلى تعديلات جوهرية، لتتم صياغة بدائل لسياسات اجتماعية جديدة، تضع المرأة في موقعها المناسب كشريك للرجل في الزواج والحياة الأسرية.
لكل ما تقدم.. علينا تجاوز الصور النمطية للاحتفال بيوم المرأة العالمي، وتجاوز الشكليات الاحتفالية، بل علينا العمل الجاد تحت مظلة الاتحادات والجمعيات النسوية الناشطة في بلادنا، عبر التنسيق الفعال لاتخاذ تدابير إجرائية واعية لتفعيل بنود الاتفاقات الدولية والإقليمية الداعمة لحقوق المرأة.. حتى يتاح للمرأة تجاوز العقبات التي تحول دون التنفيذ الفعال لبنود تلك الاتفاقيات، وحتى لا تصبح مجرد حبر على ورق.. ونبقى في انتظار مارس القادم للاحتفال مجدداً بيوم المرأة العالمي.. وكأن شيئاً لم يكن.