تجري الأمور في المنطقة العربية على نحو يثير المزيد والمزيد من التساؤلات المقرونة بالحيرة، فبعد الوهج التونسي المقرون بثورة شعبية جاءت خارج كل التوقعات، ما زال الموقف متوتراً ومتواتراً بين صانعي الحدث التاريخي على الأرض، والمحسوبين على النظام السابق وخبراته في تسيير الدولة وفق المنهج الذرائعي التاريخي «دعه يسير.. دعه يمر»، الذي أفضى في نهاية المطاف إلى تحقيق معدلات تنمية اسمية جاءت لغير صالح المواطنين، بمن فيهم الطبقات الوسطى، فإذا بالنجاحات الافتراضية التي كثيراً ما سمعنا عنها في مصر وتونس، تصب في خانة طغمة محدودة من المنتفعين الكبار والصغار.
التدافع بين الماضي القريب ومشروع الحلم الألفي الجديد القائم في تونس، يشبه ذات المشهد الماثل في مصر. فبعد الثورة الشعبية العارمة، ما زالت الشرعية مُجيّرة على سلسلة القرارات التي اتخذها الرئيس السابق حسني مبارك، وذلك استناداً إلى دستور الدولة الذي لم يُغيّر بعد، وبهذا المعني يصبح من باب تحصيل الحاصل أن تكون رئاسة المشير الطنطاوي موصولة بذات القرار الذي اتخذه حسني مبارك باعتبار المجلس الأعلى للقوات المسلحة مرجعية قيادية لحين إجراء ترتيبات دستورية جديدة. وفي المقابل لم يكن تخلي الرئيس مبارك عن الرئاسة مقروناً بتخلٍ مماثل من قبل نائبه عمر سليمان، وبالتالي تظل الشرعية القانونية للنائب سارية طالما الفراغ الدستوري والقانوني سيد الموقف. مما سبق يمكننا استنتاج بعض الحقائق، وأبرزها أن الشرعية في مصر وتونس مُستمدة من شرعية النظام السابق، حتى يأتي اليوم الذي يتم فيه إقرار دساتير جديدة، والشروع في تعبئة الفراغ وفق مرئيات المرجعيات القانونية الجديدة.
نحن، إذاً، في «منزلة بين المنزلتين» كما كان المعتزلة يقولون، وبالتالي فإن فقه الإمامة التاريخي الرائي لإمكانية تعايش الأضداد، وارد في هذه الحالة بطريقة واضحة لا غموض فيها.
هذه الحقيقة تجد لها مبرراً في واقع الحال الماثل قياساً بالشرعية التي ما زالت شاخصة، ولا تجد مبرراً عند الراغبين في التغيير الراديكالي المباشر، وبين هذين الموقفين سجال وأي سجال.
نحن هنا أمام مخاض يستتبع الحدثين العاتيين في مصر وتونس، ويستمر هذا المخاض الصاعد في المنظومة العربية الممتدة من الماء إلى الماء، والمتناسخة كأنما خرجوا من رحم واحد. ولعل الحالة الليبية الأكثر تراجيدية مؤشر في هذا الجانب، فنظام المتطيّر الأكبر معمر القذافي يؤشر إلى مصائر القيادة السيكوباتية الخارجة من زمن الحاكمية العربية المفارقة لنواميس التاريخ والجغرافيا.
إن فلسفة الاستمرار على درب المُغالبة للحقائق، تعيد إنتاج أقسى مركبات القهر والقمع، حتى أن «الزعيم الأممي» لا يتورع عن إشهار نفسه بوصفه «نيرون» ليبيا، الذي لا يقبل بأقل من حرق البلاد والعباد إن لم يتم الانصياع لمنطقه العجيب، فهو بحسب ادعاءاته المتهافتة ليس رئيساً حتى يستقيل، وهو زعيم عالمي تمتد تجربته في أرجاء المعمورة، وهو مقاتل لا تلين له قناة، حتى وإن خلط الأوراق واستعان بالمرتزقة ليقوموا بتطهير ليبيا «بيتا بيتاً وداراً داراً ، وزنقة زنقة، وفرداً وفرداً» كما قالها بصريح العبارة. وعلى خط مُتّصل مثلت اليمن والجزائر وغيرها، مشاريع تدوير للسيناريو القائم والنابع من الشارع، متجاوزاً الأنظمة والمرجعيات معاً. تلك هي محنة النظام العربي بجملته، والجمهوريات منه على وجه التحديد. وتتلخّص محنة الجمهوريات العربية في كونها أنظمة غير جمهورية بالتصنيف السياسي للكلمة، وللتحقق من هذا الاستنتاج الصاعق لا بأس من العودة قليلاً إلى الوراء، وقراءة المشروع السياسي الذي كان مُنطلقاً لتلك الجمهوريات، وسنرى أن المقدمة الأساسية لنشوء ما يمكن أن يُسمّى افتراضاً الفقه السياسي الجمهوري، ترافق مع انقلابات عسكرية ضد الأنظمة الملكية السابقة. وفي البلدان التي غادرها الاستعمار تشكّلت الجمهوريات متابعة لفقه الانقلابين، وتوقاً لمجتمع جديد ومزدهر، حيث لا فقر، ولا مرض، ولا جوع. ثم تناسلت تلك الجمهوريات المُفصّلة على مقاييس تواريخ العصبيات والضلالات العربية، لنواصل معها إعادة انتاج المتاهات، ليكون مشهد الاغتيال السياسي، والسطو المسلح على السلطة سمة غالبة.
ولسنا هنا بصدد الدفاع على البُنى الحاكمية غير المتناسبة مع الدولة العصرية واستحقاقاتها، والأمثلة في هذا الباب كثيرة. وليس غريباً والأمر كذلك أن نجد المطالبة الراهنة بالملكيات الدستورية مجرد رجع صدى لذات المطالب القديمة، التي جرت في مصر واليمن قبل ثورتي يوليو المصرية وسبتمبر اليمنية.
المطالبة بالملكيات الدستورية سرت في الأدبيات السياسية العربية منذ ذلك الحين، لكن الأنظمة الجمهورية التي انبرت بوصفها مشروع تغيير راديكالي للأنظمة الملكية سرعان ما اعادت انتاج أسوأ السيئات في البُنى التاريخية الاتوقراطية، فإذا بالجمهوريات مجرد ملكيات لا شرعية لها في أفق الاحتساب للشرعية النابعة من فقه التاريخ.
لقد وجد الجميع أنفسهم، وعلى حين غفلة من الدهر، أمام جمهوريات لا تحمل من مضمون الجمهورية إلا اسمها، ومن تقاليدها سوى رسمها، حتى استتب الأمر لرؤساء يملكون الأرض ومن عليها، ويتغلّفون بشعارات أبعد ما تكون عن الأدبيات التي نالوا بواسطتها شرعيتهم الانقلابية. في هذا المربع تساوى الطرفان، فالحاكميات التاريخية المُتجهّمة تعززت بفضل إخفاقات الجهوريات الشكلية، والجمهوريات المستبدة أصبحت تتناسب مع الموروث من تواريخ الظلامات، فإذا بالمحفل والمحتفلين يتموْضعون في ذام المجد الواهم، فاستمرأوا السير على درب التنافي العدمي، وصولاً إلى تجفيف منابع الكرامة الآدمية.
لقد لمسنا مثل هذا التضامن الخائب في الصدامات التراجيدية التي عصفت بالأمة خلال الشهرين الاخيرين، حتى أن بعض أجهزة الإعلام العربية تجاهلت دراما الشوارع المصرية والتونسية والليبية واليمنية والجزائرية والبحرينية، وكأن ما يحصل هناك يجري في المريخ. ومن المؤكد أن النظام العربي يتحمّل المسؤولية الجسيمة في ما آلت إليه الأمور، فقد تأبّى هذا النظام على الحق والحقيقة، وظل يتعاطى مع مواطنيه بمنطق الغلبة والقوة السافرة والتهديد وإفقار البشر، مقابل تكديس التريليونات المنهوبة في بنوك العالم شرقاً وغرباً.
لقد وضع النظام الجمهوري العربي أماني الأُمة ومستقبلها في ثلاجة الموتى، بل اختزل المستقبل في الماضي.. الآن حصحص الحق، وبطل ما كان يفعله السادرون المقيمون في وهم القوة المجردة.. الآن بدت سوءة النظام العربي، وتجلّت أمام الناظرين مخاتلة القائلين بالديمقراطية والتداول السلمي للسُّلطة، فقد جاء رد الشارع موازياً لحجم الفعل، وكانت ثورة الشباب تعبيراً عن حق اُريدت مصادرته، وعن مستقبل أراد النظام العربي اعتقاله في غرفة الموت البطيء.